حول موضوع الإنتخابات
إلى أعضاء المجلس الوطني والمكتب السياسي للإشتراكي الموحد
قرر المجلس الوطني للإشتراكي الموحد أن يخصص اجتماعه المقبل ، خلال شهر ماي2012 ، لمناقشة الإنتخابات .
والمقصود ليس مناقشة موضوع الإنتخابات بصفة إجمالية أو من الناحية المبدئية . بل المقصود هو مناقشة الموقف من الإنتخابات
الجماعية المقبلة . أي هل سيقرر الحزب الإستمرار في موقف
المقاطعة ؟ وبالتالي أن لا يشارك في الإنتخابات الجماعية المقبلة ، كما فعل في الإنتخابات التشريعية في
نوفمبر 11 . أم أنه سيشارك كما
فعل في انتخابات سابقة ؟
ومن أجل المساهمة في النقاش يمكن الإدلاء بالملاحظات والتأملات التالية .
1/ يبدو واضحا أنه من غير الملائم إعلان موقف مسبق من الإنتخابات حاليا . وقد يكون ذلك موقفا مجانيا الآن . ما دامت السلطات المعنية
بتحديد تاريخ إجراء الإنتخابات المحلية المقبلة لم تخرج من صمتها . بل يبدو أنها تتعمد الصمت ، وتعمل على إعداد مفاجآت ما . وهذه منهجية تعكس استمرار نفس العقلية التحكمية التي طالما ندد بها الصف
الديموقراطي .
2/ أما بالنسبة للحزب وحلفائه وأصدقائه ومحيطه ، فإنه من الضروري والمفيد العمل على إبطال عنصر المفاجأة الذي تراهن عليه القوى السائدة
من أجل فرض مشروعها في التمرير والإكتساح .
وبالتالي لابد أن يناقش الحزب الموقف من الآن . ومن الأفضل أن يتم ذلك بمنهجية مفتوحة على حلفائه وأصدقائه ومحيطه . وذلك على ضوء مجمل
التطورات التي يعرفها المغرب والمنطقة المغاربية . وبالتالي تأهيل الحزب لجميع الإحتمالات والسيناريوهات .
3/ الموقف من الإنتخابات المحلية المقبلة لا بد أن يأخذ بالإعتبار المعطيات التالية :
- أن الحزب وضع أطروحة سياسية أساسية في مؤتمره الأخير . مفادها أن حركة 20 فبراير غيرت عدة معطيات في الواقع المغربي . وغيرت الزمن السياسي من وتيرة إلى أخرى . وهكذا جعل الحزب من دعمه
للدينامية التي خلقتها حركة 20 فبراير ،
وانخراط شبابه فيها ، رهانا أساسيا ، هدفه تقوية الآليات الكفيلة بإحداث ضغوط تؤدي إلى تغييرات أساسية في النظام السياسي القائم . وراهن الحزب على أن هذه الدينامية قادرة على فرض تغييرات تحد من نظام
الإستبداد والفساد ، وتنتقل بالمغرب من ملكية رئاسية تنفيذية ، إلى ملكية برلمانية حقيقية ، قائمة على دستور يفصل فعليا بين السلط ويوازنها ، ونظام برلماني تكون فيه المؤسسة الملكية ذات وجود غير مكلف
وغير متدخل في الصراع السياسي والمالي والإقتصادي .
هذا التوجه يراهن على خلق أوضاع يصبح فيها الصراع السياسي أكثر وضوحا ، وتكون فيها المسؤولية مرتبطة بالمراقبة والمحاسبة . مما قد يؤدي
إلى تطوير الآليات الأخرى التي تقطع مع ماضي الإنتهاكات الجسيمة والتجاوزات والتعسفات . وأن يصبح من المتعذر على أية جهة أو شخص ، خلق مراكز نفوذ فوق القانون ، أوالإستعمال الفاحش للمال والنفوذ في
الحياة السياسية والإنتخابات ، أو التستر وراء الدين أو الملكية أو الوطن ، من أجل فرض التدخل هنا أو هناك ، أو من أجل الحصول على ريع اقتصادي ، أو امتيازات سياسية أو مالية أواجتماعية أو دينية أو
غيرها . وبالتالي الحد من تناسل المواقع والمؤسسات الطفيلية ، ومن مظاهر العمل خارج القانون ، وخارج المراقبة والمحاسبة والإفلات من العقاب .
- وفي إطار هذا المنظور الذي ساد في الحزب قبل المؤتمر وبعده ، انعطف الحزب يسارا ، مما قربه من حركة 20 فبراير ، وقرب بين فرقاءه وخفف خلافاتهم إلى حين . وأصبحت
حركة 20 فبراير تحتل موقعا متميزا في التوجه
السياسي العام للحزب ، إلى درجة أن التنافس والمزايدة أحيانا بين الفرقاء ، كانا حول مدى الدفاع أو التقرب أو التماهي مع حركة 20 فبراير أكثر من أي موضوع آخر .
- وهكذا ارتبطت مختلف مواقف الحزب بصيرورة حركة 20 فبراير . وكانت هذه الصيرورة حاضرة في جميع اللحظات ، وهيمنت على أجواء المؤتمر الثالث . وذلك بحكم أن أطر الحزب
وشبيبته على الخصوص ، ساهمت منذ البداية في تأسيس حركة 20 فبراير ، وفي دعمها وإعداد تظاهراتها ، وفي تصحيحها ونقد أخطائها أحيانا . وذلك حسب التقديرات المختلفة ، وحسب المناطق . ورفض الحزب كل محاولات القمع والتنقيص من
حركة 20 فبراير . ومكنها من مقراته . كما رفض
كل محاولات الهيمنة عليها ، ومحاولات التسرب والإحتواء والبلطجية لإفشالها .
- وفي ارتباط مع حركة 20 فبراير ، قرر الحزب عدم المشاركة في لجنة المنوني ، وقاطع التصويت على دستور يوليوز 2011 .
4/ في غمرة هذه الأجواء ، وفي غمرة التظاهرات والإحتجاجات ، ورغم حدة المناقشات ، لم يجد الحزب صعوبة في أن يقرر مقاطعة
انتخابات 25 نوفمبر 2011 . لأن مطالب التغيير كانت أكبر مما يجري في الواقع .
ولأن التحولات في المنطقة لا زالت تتمخض على أكثر مما هو منظور .
5/ كل متتبع ، لابد أن يلاحظ بأنه بعد انطلاق حركة 20 فبراير بفترة وجيزة ، تبلورت محاولات الإستجابة والإلتفاف معا . وجاء خطاب الملك في 9 مارس 2011 . ومنذ ذاك ، أصبح المغرب يعيش على إيقاعين مختلفين . إيقاع
متحرر وضاغط من أجل التغيير . ويمثله أساسا شباب 20 فبراير ، والقوى والفعاليات الداعمة من علمانيين وإسلاميين . وإيقاع محافظ وكابح غايته التربص وحصر التغييرات في حدود .
كان الإيقاع الضاغط مؤثرا وفاعلا مع انطلاق حركة 20 فبراير، وتنوع فعالياتها ، واتساع زخمها الأولي . لكن المواقف السلبية والتحفظية لبعض القوى السياسية
والنقابية والجمعوية والنسائية ، ومحاولات الهيمنية والإحتواء التي تعرضت حركة 20 فبراير ، أربكت الخطوات ، وعززت نظرات التخوف والسلبية . مما أظهر الضعف بعد القوة ، وخفف من حدة الضغط . خاصة بعد الإنسحاب
المفاجئ لجماعة العدل والإحسان من حركة 20 فبراير ، وما ترتب عليه من تساؤلات ؟
أما الإيقاع الكابح فقد كان في البداية متجاوزا وخجولا . لكنه استفاد من تحفظ بعض القوى ، ومن القمع والبلطجية والثغرات والسلبيات في
محيط حركة 20 فبراير ، ليتقوى شيئا فشيئا ،
ويظهر على الساحة في أشكال مختلفة ، زادت من الإرباك والتمييع . حيث تم اللجوء في البداية إلى محاولات التشويه ، ثم افتعال صراع حول الهوية الدينية . وخاض البعض حملة من أجل تشويه مفهوم العلمانية
والدولة المدنية وحياد الدولة وأجهزتها . كما قاد عبد الإله بنكيران على رأس حزب العدالة والتنمية الإسلامي ، ونيابة عن المخزن ، حملة من أجل الحفاظ على الطابع الديني للدولة . وبالتالي تأييد الدستور
الجديد والتصويت عليه بنعم . والمشاركة في انتخابات 25نوفمبر .
والنتيجة تراجع الإيقاع الضاغط ، وتقوي الإيقاع الكابح ، ولو إلى حين .
أما المستفيد الرئيسي ، فهما المخزن وحزب العدالة والتنمية الإسلامي .
انحنى المخزن للعاصفة ، ومد يده لحزب العدالة والتنمية للخروج منها .
ووجد حزب العدالة والتنمية فرصته المناسبة لاقتناص بعض المكاسب ، والتقرب من المخزن قصد إبطال أو الحد من مخطط الأصالة والمعاصرة الذي
كان يستهدفه أولا ؟
6/ تراجع إيقاع الضغط من أجل التغيير مع تراجع قواه . خاصة استنفاذ ضغط حركة20 فبراير في صيغتها الأولى ، التي جمعت بشكل غير واضح بين العلمانيين والإسلاميين .
لكن بالمقابل تنامت الإحتجاجات والمواجهات المحلية . خاصة في المناطق التي ظلت عرضة للتهميش . هذه الإحتجاجات بدأت تحمل بوادر التجديد
في مفاهيم حركة 20فبراير ، وإعطاء صيغ أخرى ، قد
تكون أكثر قوة ، إذا استطاعت أن تكون أكثر وضوحا وانفتاحا من أجل التغيير .
7/ أما إيقاع المحافظة والردع ، فقد ظل محط توجس ، مما تركه غير موثوق . ولم يحد من عدم صدقيته ، التحاق حزب العدالة
والتنمية به ، وتدشينه مرحلة صعود الإسلاميين إلى الحكومة . وذلك لأن المخزن سيعمل بكل تأكيد على استهلاك رصيد العدالة والتنمية وإسلاميي الحكومة ، كما استهلك غيرهم . أما مطالب الحرية والكرامة
والعدالة الإجتماعية وغيرها من مطالب التغيير الأساسية ، فإنها فستبقى قائمة وخارج السياق المخزني .
8/ الحزب واليسار هما بكل تأكيد في وضع غير مريح . لأن الثقافة السائدة في المجتمع هي في طابعها الرئيسي غير علمانية . هي ثقافة
تقليدانية شعبوية ، لا تميز بين المجال الفردي الخاص للعقائد الدينية ، وبين المجال العام للعلاقات المدنية . وتعطي أحيانا لبعض المفاهيم الإسلامية والعادات الدينية ، طابعا سياسويا شموليا . مما يثقل
الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية العامة يعدة مظاهر سلبية . منها ممارسة وتبرير أنواع من العنف باسم الدين والتقاليد ، خاصة في حق المرأة والأطفال . وعدم رفض العنف السياسي بشكل واضح . وتكريس
أنواع من التمييز . والتسامح مع أشكال من التعذيب والمعاملات القاسية والمهينة والمخلة بالكرامة . والتعايش مع أشكال من التعسف على الحياة الخاصة . وغياب رد فعل قوي ضد انتهاكات الحقوق الإنسانية . وعدم
تقبل حرية العقيدة والرأي المخالف والمساواة . وتهميش حرية التعبير والحريات العامة والفردية . بل والتعايش مع قمعها .
صراع اليسار هو إذن صراع عام في المجتمع . هو صراع سياسي وثقافي وفكري وإيديولوجي ، ضد كل مقومات الثقافة السائدة في أوجهها
المتعددة ، وضد هدر الإنسان وهدر الوقت . لكن اليسار لا يخوض هذا الصراع بالوضوح والحزم الكافي . وأفراده يستهلكون في حياتهم العملية والخاصة قيم وتقاليد الثقافة السائدة .
اليسار ليس في وضع مريح ، لأن صراعه في العمق ، هو صراع من أجل ثقافة إنسانية عقلانية وعلمانية ، قوامها الإنسان والعقل . ثقافة تحترم
لكل إنسان عقيدته ودينه . لا تعادي الدين ، لكنها لا تقبل استعماله أو استغلاله في الصراع السياسي . وتعتبر المجال العام مجالا مشتركا ، تحكمه العلاقات المدنية والقانونية التي تربط بين المسؤولية
والمراقبة والمحاسبة .
صراع يتم في شروط غير ملائمة ومحيط بئيس وسلبي . لكن لا بديل عن خوضه .
اليسار يناضل من أجل ثقافة ترفض جميع أشكال التمييز . و لا تقبل ممارسة أي نوع من العنف أو التعذيب أو المعاملات القاسية والمهينة
والمخلة بالكرامة . ثقافة تعطي أهمية للمساواة وحرية العقيدة وحرية الرأي والتعبير والحريات العامة والفردية .
هذا الصراع هو نضال مفتوح . وهو نضال ليس مطروحا على الهيئات والمجموعات فقط . بل مطروح على الأفراد كذلك . ومطروح في المناسبات العامة
كما في الحياة اليومية للناس . ومن المفروض أن يخوضه الحلفاء والمفكرون والمثقفون في عدة واجهات ومجالات . والحزب لن يستطع أن يتطور في نضاله السياسي من أجل ديموقراطية نوعية في العلاقات الإنسانية ،
دون أن ينهج سياسة تواصلية واسعة في المجال الثقافي والفكري والإيديولوجي .
يواجه اليسار إذن ثقافة سائدة في المجتمع ، بما هي ثقافة ضعيفة البعد الإنساني ، طابعها الرئيسي غير عقلاني ، ومناهضة للعلمانية . ومن
أهم مظاهرها الإستبداد والإقصاء والشعبوية . وقد يكتسي الصراع حدة أكثر مع وجود التبريرات المناهضة للتحرر ، و المقولات المساعدة على ترويج واستهلاك قيم القمع والترهيب والتعصب والمغالاة والعنف
والإقصاء .
هذا الصراع في بعده الفكري والثقافي والإيديولوجي هو حاضر بكل تأكيد ، إلى هذا الحد أو ذاك ، في الصراع السياسي والإنتخابي . خاصة وأن
حالة العجز وعدم القدرة على التغيير وتلبية المطالب الديموقراطية والشعبية ، سيدفعان القوى المحافظة ، إلى البحث عن وسائل الكبح . وقد يتم اللجوء إلى القمع وإلى إقحام الدين في الصراع والتعبئة . وفي
التضييق على الحريات والحقوق .
9/ الإنتخابات صناعة وحسابات . هذه الصناعة تتطلب المال وتتطلب الدربة التواصلية . في المغرب لا زالت الإنتخابات مقرونة باستعمال المال
خارج القانون . ولا زالت مقرونة بالزبونية والإنتهازية . ولم يستطع اليسار ، والديموقراطيون الحداثيون عموما ، أن يؤسسوا لثقافة انتخابية جديدة واسعة الإنتشار ، قوامها اعتبار المساومة على حق التصويت
مساسا بالكرامة ، وسلوكا مستهجنا ومرفوضا. ومن تم ظلت الآلة الإنتخابية للحزب واليسار ، تعاني من الضعف وأمراض أخرى .
10/ في ظل هذه الشروط ، وأمام الصعوبات الإضافية التي تفرضها على اليسار مرحلة حكومة بنكيران الإسلامية ، تبدو حظوظ الحزب في الإنتخابات
المحلية المقبلة غير محددة المعالم . وقد تكون ضعيفة . وبالتالي فالإقدام على اتخاذ قرار بالمشاركة بشكل أحادي الجانب من طرف الحزب وحده ، قد يكون موقفا متسرعا ، قد يؤدي إلى نوع من العزلة ، إن لم يكن
خطأ قاتلا . خاصة في الظرفية الراهنة ، المتميزة بتنامي السخط الشبابي والميول الراديكالية وطنيا ومحليا .
11/ سيكون من الأنسب أن يعمل الحزب على التواصل مع حلفائه ومحيطه قبل اتخاذ القرار . وسيكون من المناسب على الخصوص ، التواصل مع
حركة 20 فبراير ، وفتح نقاش مع أحزاب اليسار
وكل القوى التقدمية والجمعيات الحقوقية والنسائية والشبابية والأمازيغية الديموقراطية ، من أجل تنظيم مناظرة وطنية حول الإنتخابات المحلية المقبلة ، وكيفية جعلها مناسبة لبلورة شعار محاربة الفساد
والإستبداد وتطويره ، وتدعيم مفهوم الديموقراطية المحلية . وبالتالي عدم ترك المجال للمفسدين ليتلاعبوا مرة أخرى في المجالس المنتخبة وأموال الشعب ، والتحكم في مصائر المدن والقرى خلال السنوات المقبلة
.
ويجب العمل عبر نضال إعلامي متواصل ، على أن تصبح خلاصات المناظرة ، شعارات واقعية وملموسة ، يتبناها ويعمل من أجلها قطاع واسع من
الشباب والمواطنات والمواطنين في المجتمع .
12/ في نقاش مفتوح مع حركة 20 فبراير ، ومع أحزاب اليسار وكل الديموقراطيين و الجمعيات الحقوقية والنسائية والشبابية والأمازيغية الديموقراطية ، يمكن تطوير صيرورة النضال
الديموقراطي الجماهيري السلمي من أجل إسقاط الإستبداد والفساد ، وتحويله إلى حركة إيجابية عامة في المجتمع ، قادرة على استقطاب اهتمام وفعل وإبداع العديد من القوى والأفراد والطاقات . وفي هذا إطار هذا
النقاش المفتوح ، يمكن تطوير عمل الحزب واليسار وحركة 20 فبراير وكل الديموقراطيين والحداثيين نحو حركة سياسية ديموقراطية عامة ذات قوة وفعل حقيقي في المجتمع .
الدار البيضاء في 4 ماي 2012
عبد السلام الباهي