
تخطئ السلطة الفلسطينية خطأ جسيما إن هي تجاهلت الواقع المستجد على خلفية قضية غولدستون، وتخطئ خطأ مميتا، إن هي اعتقدت أن لجنة تحقيق كفيلة بأن تعالج القضية المثارة وأن تطوق
ذيولها
عاصفة من الاستنكار والإدانة هبت احتجاجا على الموقف الرسمي الفلسطيني في الموافقة على تأجيل التصويت على تقرير غولدستون حول غزة، وطلب
نقله إلى مجلس الأمن..
وفي السياق كشفت عن قضية رئيسية، دون معالجتها سوف يبقى الموقف الفلسطيني الرسمي معرضا للوقوع في المطبات، وارتكاب الأخطاء، بما فيها تلك
التي تماثل قضية غولدستون، والتي ترتقي إلى مستوى الجريمة السياسية والأخلاقية التي يرتكبها المستوى القيادي الأول في المؤسسة الفلسطينية بحق شعب فلسطين وقضية الوطنية وحقوقه المشروعة.
قضية الموقف من تقرير غولدستون طرحت المبرر الوطني لوجود السلطة الفلسطينية وبقائها، وشروط هذا الوجود وهذا البقاء.
وقضية الموقف من تقرير غولدستون طرحت ضرورة معالجة هذه المسألة بالذات، دون التهرب، بالطبع، من معالجة قضية غولدستون، بشكل مباشر، ورسم
المسؤوليات وتحديدها، ومساءلة الذين ارتكبوا جريمة القفز عن التقرير المذكور.
إذ ليست هي المرة الأولى التي ترتكب فيها السلطة الفلسطينية خطيئة سياسية ذات أبعاد استراتيجية، وتداعيات متوالية تستمر طويلا في
تأثيراتها المباشرة واليومية على الحالة الفلسطينية.
فقبل الآن كان الموقف من القرار الاستشاري لمحكمة لاهاي حول جدار الفصل والضم العنصري. ومن يراجع القرار المذكور يتبين له أن المحكمة، من
موقعها القانوني المشرف، تجاوزت مسألة الجدار، باعتباره مجرد تفريعة من تفريعات الاحتلال والاستيطان، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على أرضه وعودة
اللاجئين من أبنائه إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948. ولاحظت المحكمة أن ثمة جريمة ترتكب بحق الشعب الفلسطيني ورأت بالمقابل أن على المجتمع الدولي، ممثلا بالدول الأعضاء في الأمم
المتحدة أن يتحمل مسؤوليته وأن يضغط على إسرائيل، ويحاكمها ويرغمها على الانصياع لإرادة الشرعية الدولية والتراجع عن ممارساتها الاحتلالية العنصرية، وأن على المجتمع الدولي، في السياق، أن يقيم لشعب
فلسطين حقوقه الوطنية كاملة، كما طعنت المحكمة بشرعية اتفاق أوسلو، وما نتج عنه من بروتوكولات وقرارات واتفاقات.
ويفترض القول إن محكمة لاهاي تجاوزت سياسة السلطة الفلسطينية ودعت في السياق إلى سياسة فلسطينية جديدة، تتمسك بالشرعية الدولية وترفض
تقديم التنازل عن هذه الشرعية. النتيجة العملية كانت أن أهملت السلطة الفلسطينية (ومن خلفها الفريق المفاوض والمتنفذ في م.ت.ف.) قرار محكمة لاهاي، وتخاذلت ولم تخض معركة القرار وضرورة إحالته إلى مجلس
الأمن ومعالجة نتائجه بموجب الباب السابع، بحيث تصبح قراراته ملزمة لإسرائيل، ولو باللجوء إلى العقوبات وإلى القوة بمختلف أشكالها, وفوتت السلطة على الشعب الفلسطيني فرصة تاريخية.
هذه المرة، والقضية باتت معروفة، كثرت الأقاويل حول الأسباب الحقيقية التي دفعت السلطة إلى اتخاذ قرارها المشين بشأن تقرير غولدستون،
وحتى لا نغوص في هذه الأقاويل، من المفترض أن نقف عند مسألة الضغوط التي مارستها واشنطن على رام الله، كي توافق على تأجيل إحالة التقرير إلى مجلس الأمن. هذا الضغط مورس على السلطة عند طرح قرار محكمة
لاهاي حول الجدار للتداول، ومورس على السلطة عندما طرح موضوع إعلان سيادة دولة فلسطين على أراضيها عام 1999 وتجاوز المفاوضات المذلة والعبثية مع العدو الإسرائيلي، كذلك مورست عليها في مناسبات شتى، وفي
كل مرة تتذرع واشنطن بذريعة ما، وتعد السلطة بوعود خلبية كاذبة، ويتضح في نهاية المطاف أن ضغوط واشنطن ما كانت إلا خدمة لإسرائيل، وأن السلطة، بخضوعها للضغوط، تبدو وكأنها متواطئة مع العدو الإسرائيلي
ومتساوقة معه ضد مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، في النتائج العملية لسياستها.
ولا يقف الأمر عند الجانب السياسي من سلوك السلطة، بل يتجاوزه نحو الجانب الأمني. فالسلطة ترتبط مع الجانب الإسرائيلي باتفاق تنسيقي يحمل
السلطة أعباء أمنية تتعارض ومصالح الشعب وحقوقه السياسية والوطنية وتضع علامات استفهام حول الوظيفة الحقيقية للأجهزة الأمنية في السلطة وحول واجباتها وعقيدتها ومرجعيتها العليا. وإذا ما ربطنا بين
السلوكيات السياسية والسلوكيات الأمنية للاحظنا أننا أمام سلطة تعيش حالة من التبعية المذلة لسياسات واشنطن وضغوطها، والالتزام المذل باتفاقات وبروتوكولات باتت المصلحة الوطنية تتطلب تجاوزها، ووضعها
جانبا، ورفض الاعتراف بها، والانطلاق نحو سياسة جديدة تنطلق من مصالح الشعب وحقوقه.
المطلوب، على خلفية الدروس الغنية للموقف من تقرير غولدستون، إعادة صياغة الإستراتيجية السياسية والأمنية التي تسير السلطة. بحيث تفك
ارتباطها بالسياسة الأميركية وتسقط من اعتبارها القول بأن أوراق المنطقة وأوراق الحل بيد الولايات المتحدة. وتفك ارتباطها وتعاونها مع الجانب الإسرائيلي وتسقط من اعتبارها ضرورات هذا التعاون، إن في
تبرير الحصول على مساعدات الجهات المانحة، أو في تبرير التقرب من الولايات المتحدة أو في تبرير تجنيب الشعب الفلسطيني ويلات اعتداءات العدو الإسرائيلي.
فلقد أثبتت التجارب السياسية المريرة مع الولايات المتحدة بما في ذلك إدارة أوباما، أن الحليف الإستراتيجي لواشنطن هو إسرائيل، وأن أية
محاولة لكسب ود الولايات المتحدة ـ على حساب تحالفها مع إسرائيل ـ هي محاولات عقيمة، وأن أية سياسة تعتقد أن واشنطن ستصون مصالح الشعب الفلسطيني هي سياسة غبية، لا يصوغها إلا فريق ضعيف وعاجز ومتردد،
يخشى المجابهة، ولا تلتقي مصالحه مع مصالح الشعب، بقدر ما يحاول في هذا السياق أن يصون مصالحه، ولو على حساب مصالح الشعب.
وبالتالي إن اللجنة التنفيذية في م.ت.ف. تقف الآن أمام استحقاق مصيري وتاريخي، يتجاوز لجنة تحقيق في ملابسات اتخاذ القرار بشأن تقرير
غولدستون، ويتعلق بطبيعة دور اللجنة التنفيذية نفسها وطبيعة علاقتها مع السلطة، وطبيعة السياسة التي تتبعها السلطة، ومدى التزامها قرارات اللجنة التنفيذية وتوجهاتها السياسية.
كذلك يفترض إعادة بناء المؤسسات المعلقة في الهواء، كالمجلس التشريعي، والمجلس الوطني،والمجلس المركزي، كهيئات مسائلة، وإلا بقيت الأمور
في حالة فلتان، سياسي وأمني. كئيب وخطير، بما في ذلك أن تتجرأ أجهزة الأمن على الاعتداء على أعضاء في التشريعي، واعتقال مواطنين جريمتهم أنهم يتظاهرون ضد الاعتداء على غزة. وبما في ذلك دور هذه الأجهزة
في الدفاع عن المواطن الفلسطيني وصون أمنه، ليس في خلافات محلية، بل في مواجهة الاعتداءات والاعتقالات الإسرائيلية.
خلاصة الكلام، إننا نقف الآن أمام لحظة مفصلية، بات فيها مصير السلطة، ومستقبلها، ودورها، على بساط البحث. ولكي تتحول السلطة إلى مكسب
لشعب فلسطين، ولكي تكون السلطة نواة الدولة المستقلة كاملة السيادة، وكي تكون السلطة في خدمة المواطن لا عبئا عليه، عليها أن تنهي تبعيتها السياسية لواشنطن، والتزاماتها الأمنية مع إسرائيل، وأن تتحول
قولا وفعلا إلى أداة من أدوات كفاح شعب فلسطين وهو يمر بواحدة من أصعب مراحل مسيرته الكفاحية للخلاص من الاحتلال والاستيطان، ومواجهة مشاريع توطين اللاجئين وضمان حقهم في العودة.
وتخطئ السلطة خطأ جسيما إن هي تجاهلت الواقع المستجد على خلفية قضية غولدستون، وتخطئ خطأ مميتا، إن هي اعتقدت أن لجنة تحقيق كفيلة بأن
تعالج القضية المثارة وأن تطوق ذيولها.