Agis et ne laisse personne décider à ta place, tu es maître de ta vie et de tes choix
مقالات للاستاد محمد الساسي
فتاوى ضد المنطق (4) : التبول في الحمام يورث الوسواس !
نشرت (التجديد) في ركن (قال الفقيه) بتاريخ 11 شتنبر 2008 (العدد 1974) فتوى للأستاذ بنسالم باهاشم يجيب فيها عن تساؤل لإحدى المدرسات، تقول فيه أنها تعمل بفصل مكتظ بالتلاميذ من عمر 10 سنوات تقريبا، ويستغل بعضهم هذا الاكتظاظ لإزعاج أصدقائه والتشويش على الدرس، فتقوم بضربهم على الأيدي بدون قسوة بعد محاولات يائسة لإسكاتهم بالتي هي أحسن، فهل تكون آثمة بفعلها هذا ؟
الفكرة الأساسية التي وردت في جواب ذ باهاشم منطقية وقوية السند، فالأستاذ المذكور ينصحها بالابتعاد عن الضرب، ويذكرها بسلوك الرسول عليه السلام الذي لم يضرب قط أحداً بيده إلا أن يكون في الحرب، وبقول النبي (صلعم) "لا يضرب خياركم"، وينصحها باستعمال وسائل إغرائية أو توعدية كحرمان المشاغب مثلاً من الخروج في رحلة جماعية.. إلخ لكن المشكل يكمن في أن ذ باهاشم فتح مجال إعمال استثناء في هذا الباب، حيث صرح أن "آخر الدواء الكي، يمكن للأخت الكريمة بوسائل تربوية متعددة أن تكفهم عن البلبلة دون الضرب، ولا تلجأ إلى الضرب إلا بعد استنفاذ كل الطرق التربوية". المفارقة هنا أن الطرق التربوية المطلوب استنفاذها قبل التماس طريق الضرب، تستبعد هذا الأخير كلية، ومنع الضرب اليوم في المجال التربوي وفي غيره، مقتضى مطلق لا يرد عليه استثناء. هناك من يعتبر ألا مناص من اللجوء إلى الضرب في حال تعذر تحقيق المراد بغير هذه الوسيلة، لأن أطفال مجتمعاتنا تعودوا على الضرب، ولا يمكن ضبطهم وتأديبهم وضمان انضباطهم لقواعد النظام المدرسي بغير ضرب. وبصورة عامة، فإن البعض يبحث عن سبيل لإرضاء نزعة العنف الكامنة ربما فينا، عن طريق الضرب، مبرراً ذلك بأن المجتمع لم يتقدم بعد في الاتجاه الذي يتقبل فيه مبدأ الهجر الكلي للضرب في العلاقة مع الأطفال.
إذا عجز المدرس أو المدرسة عن ضبط التلاميذ بغير الضرب، فالمشكل في هذا المدرس أو المدرسة وليس في التلاميذ. إن التراتيب الإدارية التي تلزم المدرس بعدم اللجوء إلى الضرب، لا تفتح له أي مجال لإعمال الاستثناء، ولهذا سيكون من غير المنطقي في نظرنا أن نمتعه بحق إعمال الاستثناء، ونمنحه صلاحية ضرب تلاميذه في أحوال استثنائية يقدر فيها أن "كل الطرق التربوية قد استنفذت"، من خلال ركن في جريدة يلجأ القراء إليه لاستطلاع ما يعتبرونه ضوابط شرعية.
نشرت التجديد في ركن (قال الفقيه) بتاريخ 19-21 دجنبر 2008 العدد 2038 فتوى للأستاذ عبد الرزاق الجاي، في إطار الجواب عن السؤال التالي :"أنا إنسانة موسوسة، وأتعب كثيراً في الصلاة. فهل إذا صليت مرة، وحدث أن بطلت صلاتي لسبب ما ولم أعدها بسبب التعب الكبير الذي أجده من الوسواس، ثم صليت الصلاة التي بعدها، فهل علي إثم ؟".
يؤكد الأستاذ الجاي في مستهل جوابه أن "من المعلوم شرعاً أن الوسواس مرض يجب على المسلم أن يعالجه من طريقين :
الطريق الأول: الاستعانة بالله، والإكثار من قراءة المعوذتين (سورة الفلق وسورة الناس).
الطريق الثاني: زيارة الطبيب المتخصص"
هذا الشطر من الجواب لا إشكال فيه، وقد سبق للأستاذ مصطفى بنحمزة، بصدد سؤال مماثل، أن نصح السائل بالاجتهاد "في طلب العلاج النفسي لدى الأطباء المختصين من أجل أن تزول الأسباب المؤدية لهذه المظاهر التي يشكو منها"، واقترح عليه الاختلاط بالناس، وترك الانزواء، واجتناب الفراغ، وتعاطي الرياضات الجسدية، وقراءة موضوعات من الأدب الرفيع، وعلى رأس كل ذلك قراءة القرآن في أوقات معينة وذكر الله الذي تطمئن به القلوب (موقع التجديد على الانترنيت 29 يونيو 2005).
ومن المعلوم أن الأنشطة المذكورة عموماً تسهم في منح ممارسها راحة نفسية، وتساعده بالتالي على تخفيف التوتر وتبديد القلق. لكن ما نرى أن نؤاخذ عليه الأستاذ الجاي هو الوصفة الإضافية التي دعا السائلة إلى إعمالها، والتي قال بصددها: "وهناك أسباب عملية لا بد من اتخاذها لطرد الوسواس، ذلك بعدم التبول بالحمام (الذي يغتسل فيه) فذلك يورث الوسواس..". إن المرء ليحتار أمام هذه الوصفة، ما معنى أن التبول في الحمام يورث الوسواس؟ وكيف يتأتى ذلك؟ هل الأمر يعني أن من يتبول في مكان الاغتسال، (واستعملت هنا عبارة الحمام بهذا المعنى وليس بمعنى المرحاض الذي استعمل في فتوى سابقة) يُصاب بالمرض النفسي الذي يُطلق عليه (الوسواس)؟ ما علاقة هذا بذاك؟ وبما أن المفتي يدعو إلى الذهاب عند الطبيب، فيجب عليه أن ينصح السائلة بإتيان أفعال تتكامل مع التصورات والمنطلقات التي يعتمدها الطبيب، حتى لا يضيع المريض ويفقد البوصلة، فكيف سيكون رد فعل الطبيب عندما يخبره مريضه بأنه تلقى نصيحة مفادها أن التبول في الحمام يورث الوسواس الذي يشكو منه المريض. هل المقصود هنا هو عدم التبول أثناء الاغتسال أي أثناء الفعل، أم عدم التبول في مكان الاغتسال؟ هل المقصود هنا الفعل أم مكان الفعل؟ فإذا كان المفتي يقصد مكان الفعل، فهل فاته أن الكثير من الناس اليوم يفضلون أن يكون ب "الحمام" نفسه التجهيزات الخاصة بالاغتسال، وتلك الخاصة بقضاء الحاجة، فيقع التبول دائماً في نفس مكان الاغتسال!. هل من المنطقي أن يتحول استنباط الأحكام الشرعية إلى الإفتاء بمسايرة المعتقدات الشائعة، فمن المعروف في ثقافتنا الشعبية أن الكلام مثلاً في المرحاض قد يتسبب لصاحبه في نوع من الأذى..
نشرت التجديد في ركن (قال الفقيه) بتاريخ 23 دجنبر 2009 (العدد 2282) فتوى للأستاذ عبد الرحمان البوكيلي، يجيب فيها عن السؤال التالي: "بسبب المرض والألم الناتج عنه، تتمنى إحدى قريباتي الموت حتى ترتاح من الألم، وتريح عائلتها الذين يهتمون بكل كبيرة وصغيرة". في رد الأستاذ البوكيلي، أكد نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن تمني الموت، ففي الحديث الشريف (لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه. إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله. وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا حيراً).
لكن المثير نوعاً ما، هو أن ذ البوكيلي جعل مبدأ عدم تمني الموت، مجرد أصل، ترد عليه استثناءات، عدد ثلاثة منها، يُشرع فيها تمني الموت وتفضيله على الحياة، والحالات التي أوردها البوكيلي هي :
أولاً- الخوف على الفتنة في الدين والتولي عن الخير.
ثانياً- تمني الموت شهادة في سبيل الله لإعلاء كلمة الله لعظمها.
ثالثاً- الخوف من عدم القيام بالواجب والمحافظة على الواجبات والأمانات.
إن الغريب هو أن المفتي هنا، لم يراع المخاطر الناجمة عن الطريقة التي قد يقرأ بها الشباب المسلم هذه الحالات كأوضاع يشرع فيها تمني الموت، ولم يضع أية احترازات لكي لا تتحول فتواه من خلال هذه الأوجه الثلاثة إلى نوع من التسويغ الشرعي للفكر الانتحاري.
فما معنى أن تمني الموت "يُشرع" في حالة الخوف على الفتنة في الدين والتولي عن الخير؟ فهل الشعور بأن الدين الإسلامي مستهدف والشعور بأن البعض قد حاد عن طريق الخير والصلاح، يبرران تمني الموت، وهل تمني الموت هنا يكون حتى لا يعاين المسلم الفتنة في الدين والتولي عن الخير، أم أن تمني الموت يكون في ساحة مواجهة الوضع القائم المتسم بالفتنة في الدين والتولي عن الخير؟ وما هي معايير حصول هذا الوضع؟ ومن يقرر وجود هذه الآفات وقيامها ؟ ألم يخش المفتي أن يُقرأ تشريع الإسلام في نظره لتمني الموت شهادة في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، كدعوة إلى شن حروب دينية على ذوي الديانات الأخرى لحملهم على الدخول إلى الإسلام. هل فات المفتي أن شعار إعلاء كلمة الله قد استُعمل لإيذاء المدنيين وترويع المجتمعات "الكافرة" وزعزعة أمنها.
ما هي المحاذير والاحتياطات التي وضعها المفتي حتى لا تمثل فتواه دعوة إلى الجهاذ، في زمن اتفق فيه المنتظم الدولي على نبذ الحروب الدينية، وأصبحت طريقة نشر الديانات بما فيها الإسلام هي المجادلة بالحسنى واستثمار مساحات الحرية المتاحة طبقاً لمبادئ حقوق الإنسان والتعايش بين الشعوب والمجتمعات.
لماذا لم يذكر المفتي مثلاً أن تمني الموت شهادة لإعلاء كلمة الله، يخص فقط حالة دفاع المسلمين عن ديارهم إذا ما حل بهم عدوان كما في فلسطين والعراق؟ ولماذا تُرك كل هذا القدر من الغموض يحيط بمناط ونطاق هذه الفتوى، واستُعملت مصطلحات عامة كتلك التي كان يمكن أن ترد في أية فتوى قدمت قبل قرون من اليوم؟ لماذا لم ينتبه المفتي إلى ضرورة تضمين الفتوى ما يفيد بأنها صدرت في القرن الواحد والعشرين، وفي سياق مختلف عن الماضي ويفيض بمفاهيم جديدة وتحكمه اعتبارات أخرى ويواجه تحديات مستجدة..
وهل يكفي منطقياً أن يقع هناك ما يُعتبر خطر فتنة في الدين أو تولي عن الخير، لكي نحبب الموت إلى نفوس المسلمين؟. لماذا الإصرار على استحضار قضية الموت في ارتباط مع الفتنة في الدين ومع إعلاء كلمة الله. هل نحن في حاجة دائماً إلى الموت لإعلاء كلمة الله، وكيف يكون ذلك ؟
إن المفتي ربما يكون قد أوقع قدميه – عن غير قصد- في حقل ملغوم، لم يستطع فيه أن يضع خطاً فاصلاً بين معنى التماس الموت كما تباشره الحركات الجهادية التي تعتبره جواباً على وضع فتنة في الدين وعلى واجب إعلاء كلمة الله، وبين معنى آخر مفترض لم يتطرق إليه ولم يفصل مفرداته وأركانه. فظل الغموض سيد الموقف في مجال دقيق وحساس يتطلب التسلح بأكبر قدر من الحذر. إن الكلمات العامة والعائمة لا تجذي في أي تناول لقضيتي "الفتنة في الدين" و"إعلاء كلمة الله" حتى لا نسقط موضوعياً في تبرير أنواع من العنف غير المشروع –من وجهة نظر القانون الدولي وحقوق الإنسان- وحتى لا نقدم الأرضية التي يمكن أن تُستغل للحكم بالشرعية الدينية لمثل ذلك العنف.
نشرت التجديد في ركن (قال الفقيه) بتاريخ 25 مارس 2008 (موقع الجريدة على الأنترنيت) فتوى للأستاذ محمد عبد السلام اليوسف، يرد فيها على السؤال التالي: (لي صديقة تقدم لخطبتها رجل قد طلق أربع مرات قبلها، ويرجع أسباب الطلاق إلى سحر يؤثر عليه ويعتقد أنه لا ينجب بسبب ذلك. وسؤالها هل للسحر تأثير على الإنجاب، وإذا كان الجواب بالإيجاب، هل من حل له ؟).
وبعد أن يؤكد ذ اليوسف للسائلة أن السحر حقيقة، ولا يضر إلا بإذنه عز وجل، وأن ضرر السحر وأثره على الإنسان بكامله صحة وعقلاً وفي حياته العملية بإذن الله تعالى، يخلص إلى القول (هذا الشخص الذي اختارته صديقتك لدينه وخلقه، عليه أن يلجأ إلى الرقية الشرعية من طرف شخص يخاف الله ورجل صالح في حصص متتابعة، ليعالج من ذلك إن شاء الله. فيجوز إذن إبطال السحر بالقرآن والرقية، أما إبطاله بالسحر فلا يجوز).
إن الوجه اللامنطقي في نظرنا لهذه الفتوى يتجلى في عنصرين :
الأول هو أن المفتي عُرضت عليه حالة شخص وصل إلى حد الاعتقاد بأن السحر يؤثر عليه ويمنعه من الإنجاب، ومع ذلك لا يشير المفتي إلى ضرورة مراجعة طبيب نفسي، وطبيب اختصاصي في العقم لدى الرجال. فتجاهل ذلك، قد يدفع المريض إلى الاستمرار في الاعتقاد أن لعدم إنجابه علاقة بالسحر، مما قد يفوت عليه فرصة تدخل علاجي طبي أو جراحي إذا كانت الحالة تسمح بذلك.
الثاني هو أن المفتي ينصح بالذهاب عند "رجل صالح" لمعالجة المريض بالرقية الشرعية. وإذا وُجد هذا (الرجل الصالح) فكيف يكون العلاج في "حصص متتابعة"؟ بمعنى أن هذا "الرجل الصالح" يتولى اعتياديا هذا النوع من العلاج، أي يمتهن ذلك. والمعروف أن جميع المشعوذين في مجتمعنا يزعمون مباشرة العلاج بالقرآن والرقية الشرعية..
الجريدة الأولى
22 أبريل 2010
العدد 592
الصفحة 11