محمد الساسي
الشكل الرسمي للتطرف
الديني
مرة أخرى، تشن السلطات الأمنية المغربية حملة ضد الأفراد المفترض أنهم يمارسون أنشطة تبشيرية في بلادنا. وتبعًا لذلك، تم ترحيل مجموعة من الأجانب الحاملين لجنسيات مختلفة : بريطانية، وأمريكية،
وفنزويلية، وكورية، وفرنسية، وجنوب إفريقية، وهولندية. ومنهم من يحمل أوراق الإقامة بالمغرب، وقضى به سنوات طويلة. كما تمت متابعة مغاربة يُفترض أنهم ساهموا في تلك الأنشطة التبشيرية.
ورغم احتجاج بعض الدول التي يحمل المُرَحَّلُون جنسياتها، على أساس أن قرار الترحيل لم يصدر عن جهة قضائية، ولم تُتح للمعنيين بالأمر فرصة الدفاع عن أنفسهم ونفي التهم
الموجهة إليهم، فإن السلطات المغربية تقدم القرار السابق على أنه انتهاج لسبيل الحكمة والرأفة، مادام الأصل في مثل هذه الحالات هو تطبيق القانون وإيداع المرحَّلين في السجن.
والمقصود بالقانون هنا، هو نص الفصل 220 من القانون الجنائي المغربي الذي جاء فيه : "من استعمل العنف أو التهديد لإكراه شخص أو أكثر على مباشرة عبادة ما أو على حضورها،
أو لمنعهم من ذلك، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائة إلى خمسمائة درهم.
ويُعاقب بنفس العقوبة كل من استعمال وسائل الإغراء لزعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى، وذلك باستغلال ضعفه أو حاجته إلى المساعدة أو استغلال مؤسسات التعليم أو
الصحة أو الملاجئ أو المياتم، ويجوز في حالة الحكم بالمؤاخذة أن يُحكم بإغلاق المؤسسة التي استُعملت لهذا الغرض، وذلك إما بصفة نهائية أو لمدة لا تزيد على ثلاث سنوات".
وتثور بصدد هذا النص واستعمالاته مجموعة من الملاحظات :
1. نوع الاستعمال الجاري به العمل للفصل 220 يخالف قاعدة الحرية الدينية التي تنص عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. فلكل فرد مبدئيًا حق اختيار الدين الذي يرتضيه أو عدم اختيار أي
دين، وله حق إعلان انتمائه أمام الملأ ونشر مواقفه وقناعاته بين الناس، مادامت لا تحمل تحريضًا على الكراهية أو العنف، ولا تعرقل ممارسة الآخرين لذات الحقوق.
2. نوع الاستعمال الجاري به العمل للفصل 220 يخالف قاعدة المعاملة بالمثل. فالدولة المغربية ترسل علماءها إلى بلدان ذات أغلبية غير مسلمة، لشرح تعاليم الدين الإسلامي، ولا تشترط عليهم عدم
الاتصال بغير المسلمين. والدولة المغربية تعتبر نفسها مطوقة بواجب نشر الإسلام ومد إشعاعه وتعزيز صفوفه ودعم الدعوة إليه، ولا تفرض على نفسها قيودًا متعلقة بالمدى الجغرافي الخاص بالنهوض بذلك الواجب،
وهي تحتفي بحركة دخول من كانت لهم ديانات أخرى سابقًا، إلى حظيرة الإسلام وجنانه الوارفة.
3. الفصل 220 يخالف قاعدة المساواة بين المواطنين. فالمغربي المسلم الذي يكون له جار مغربي يهودي مثلاً، يحق له استعمال كل الوسائل المذكورة في الفقرة الثانية من الفصل لحمل جاره اليهودي
على اعتناق الإسلام، ولا جُناح عليه. بينما الجار اليهودي يُحظر عليه إتيان تلك الوسائل لمحاولة حمل جاره على اعتناق اليهودية. بينما الأصل أن استعمال الضعف والعوز المادي والحاجة إلى المساعدة لمحاولة
حمل أحد الأفراد على تغيير ديانته، أيا كانت تلك الديانة، يجب أن يُعتبر مرفوضًا بصورة شاملة من الناحية الأخلاقية.
4. الفصل 220 يخالف شعار (المشروع الديمقراطي الحداثي) الذي رفعته الدولة مؤخرًا، ويخالف القاعدة المقررة في ديباجة الدستور المغربي منذ 1992، والقاضية بتشبث المملكة المغربية بحقوق
الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.
5. الفصل 220 يخالف الصورة التي يريد المغرب الرسمي تسويقها عن نفسه كبلد للانفتاح والحرية والتسامح الديني والتعايش بين الأفكار والمعتقدات.
ولقد بادرت وزارة الداخلية إلى استقبال ممثلي الكنائس في المغرب ورئيس غرفة الحاخامات بالدار البيضاء، إلا أن هؤلاء في التصريحات التي أدلوا بها إلى وسائل الإعلام
الرسمية، اكتفوا فقط بالتأكيد على أن مؤسساتهم لم تُصْدِر تعليمات إلى المرحَّلين بمباشرة التبشير ببلادنا، وأنهم ملتزمون رسميا بعدم القيام بأنشطة تبشيرية، وأنهم يسعون إلى تعزيز الحوار بين المسلمين
وذوي الديانات الأخرى بالديار المغربية، وأنهم يعارضون استغلال الفقر لإلحاق الناس بدياناتهم. لكنهم لم يقدموا تقييمهم للإجراءات التي أقدمت عليها السلطات المغربية، ولم يصرحوا بما يفيد أن للحكومة حق
الحد من النشاط التبشيري أو منعه. وبعبارة أخرى، فإنهم تصرفوا بمنطق من يتنازل عن الحق من الناحية الواقعية فقط تحت ضغط القانون المحلي، دون المنازعة في أساس الحق.
طبعا، هذه المرة وضعت الدولة لحملتها ضد المبشرين إخراجا جديدا يعتمد بعض العناصر التي تبدو من الناحية المبدئية معقولة ومنطقية، فلقد قيل بأن الأجانب الذين تم ترحيلهم
:
* استهدفوا أطفالا منحدرين من وسط إسلامي، وبالتالي تم استغلال براءتهم وعدم قدرتهم على التمييز بين الخطأ والصواب، والنفع والضرر. بينما كان يجب مواصلة تمتيع هؤلاء الأطفال بحق
التواصل مع التعاليم الدينية المنبثقة من بيئتهم الأصلية، إلى أن يبلغوا سن الرشد ويقرروا في مصير انتمائهم الديني ويحسموا في اختيار ديانتهم.
* كانوا موضوع شكايات من طرف أولياء قاصرين وتنديدات لهيئات وجمعيات مدنية، مما يهدد بإمكان اندلاع اضطرابات في المناطق التي تشهد أنشطة تبشيرية ويضع سلامة المبشرين في خطر. بمعنى أن
لجوء السلطة إلى الترحيل تم في إطار مسؤولياتها عن ضمان الأمن وحماية الأجانب المتواجدين بتراب المملكة.
* أرغموا- حسب معلومات أوردتها جريدة الاتحاد الاشتراكي- قاصرين على الذهاب لآداء شعائر دينية بالكنيسة، وهو ما يضعنا أمام تكييف جديد يُستند فيه إلى الفقرة الأولى- وليس الثانية- من
الفصل 220، أي يُستند إلى جريمة استعمال العنف أو التهديد لإكراه شخص على مباشرة عبادة أو حضورها، أيا كانت الديانة المتعلقة بتلك العبادة، وليس إلى جريمة زعزعة عقيدة مسلم.
ومع التسليم بأهمية الحجج المدلى بها هنا لتبرير الحملة الأخيرة ضد المبشرين، فإن المشكلة تبدو أكبر من ذلك. إذ دأبت السلطات في السابق مرارا وتكرارا، على إتيان نفس
الصنيع، باحتجاز أجانب وترحيلهم ومتابعة مغاربة ومصادرة وثائق ومنشورات، دون تجشم عناء إثبات وجود قاصرين ضمن المستهدفين بالعمليات التبشيرية، أو وجود وسائل الإغراء الواردة في الفقرة الثانية من الفصل
220.
إن الإخراج الجديد، قد أوحى للبعض أيضا، بركوب مواقف جديدة، فالأستاذ مصطفى الرميد مثلا، تحـول فجأة إلى القـول بصدد الحملة الأخيرة "لو كان الأمر يتعلق براشديـن لأمكن
قبول ذلك نظريا من زاويـة منظومة حقـوق الإنسان". التجديد 15 مارس 2010- فرغم اعترافه الآن ضمنيا بتناقض تجريم التبشير مع حقوق الإنسان، فإنه لم يبد يوما ما اعتراضه على ترحيل أجانب بدعوى ممارسة
التبشير رغم انعدام ما يفيد أن ذلك التبشير استهدف حينها قاصرين (مثلا الاعتقالات وقرارات الترحيل الحاصلة قبل سنة أنظر الصباح والعلم بتاريخ 31 مارس 2009).
إن الشدة الرسمية في التعامل مع المبشرين، أو مع من يُشتبه في كونهم كذلك، تخدم الدولة سياسيًا في مواجهتها لنفوذ الحركات الأصولية، إذ تقدم الدولة في صورة المدافع الأول
عن الإسلام، وتسمح لها من بعض الأوجه بتسويغ وتبرير الشدة المُتَعَامل بها مع السلفية الجهادية والحركات "الشيعية". ولكن هذا المسار لا يخلو من أخطار :
* إذ قد تأخذ الأحداث وجهة نوع من المزايدة التي لا تنتهي أبدًا، فتطالب الحركات الأصولية بتوسيع وتمديد الحرب ضد المنصرين وعدم الاكتفاء بمواجهة فعل التنصير بعد أن يحصل، بل خوض حرب
استباقية بمراقبة دخول الأجانب، وتقنين ذلك الدخول، والتحري المسبق في التوجهات الدينية للمقبلين على الدخول إلى المغرب..إلخ
* قد يسهم كل ذلك في تأخير نمو ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع، وتكريس المنظور الأصولي المنغلق والمحافظ للهوية. فإذا كان اليمين المتطرف في الغرب يعمل على تغذية "الإسلاموفوبيا"،
فإن اليمين المتطرف عندنا يعمل على تغذية فوبيا مقابلة، هي فوبيا استهداف الإسلام في ذاته ولذاته، فـ "يكتشف" في كل شيء يأتي من الآخر مؤامرة على الإسلام، ويعتبر أن الدول والمجتمعات الغربية تتصرف
ككائن متطابق ليس له من انشغال آخر سوى تجريد المسلمين من إسلامهم باعتباره امتيازا يُحسدون عليه. وهذا الخطاب يجد تجاوبا لدى الشرائح والفئات الاجتماعية المهمشة والمحرومة من كل شيء، والتي ليس لها من
رأسمال سوى إسلامها، فتعتبر أن الشكل الوحيد للدفاع عن هويتها الدينية والتعبير عنها هو العنف والشدة إزاء الآخر.
* قد يؤدي إلى المغالاة في طرح مفهوم السيادة الوطنية، بشكل يجافي روح العصر وتحولاته، ويناقض طريقة مخاطبتنا للآخر في أوضاع أخرى. تقول جريدة التجديد مثلا أن "مسألة التعامل مع
المنصرين شأن سيادي لا تملك الدول الأجنبية أن تقرر فيه ولا مجرد أن تضغط للتأثير عليه (..) لاسيما أن الإجماع منعقد على أن الأمن الروحي للمغاربة خط أحمر لا يمكن المساس به" 12 – 14 مارس 2010. لكن نفس
الجريدة لا تطبق هذا المبدأ على قرار سويسرا بحظر بناء مآذن جديدة، المصوت عليه بنسبة 57%. فالجريدة لا تعتبر القرار السويسري مثلاً شأنا سياديا لدولة تدافع هي الأخرى عن أمنها الروحي، بل تذكرنا هنا
بموقف المدير العام للإيسيسكو الذي يعتبر حظر بناء المآذن متعارضا مع القانون الدولي ومع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (2 دجنبر 2009). إذ لا يمكن التذرع بسيادة الدول لخرق حقوق الإنسان.
والأخطر من كل هذا، هو تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة الذي ورد فيه أن "المغرب صارم مع كل من يتلاعبون بقيمه الدينية"، وأن هذه الصرامة تُبَرَّر بماسبقها من صرامة مماثلة ضد "المسلمين
من أعضاء تيار السلفية الجهادية والشيعة وضد 137 دارا لتدريس القرآن التي كانت تخالف الممارسة الإسلامية السائدة". لكن، هل التشيع جريمة؟ وهل هناك نص في القانون يعاقب على التشيع؟ وهل من العدل أن نسوي
بين أعضاء من السلفية الجهادية قاموا بأعمال انتحارية واعتدوا على أرواح ناس أبرياء، وبين مغربي أو أجنبي مسيحي منذ ولادته أو انتمى لاحقا إلى المسيحية، اعتبر أن من حقه التعريف بدينه ونشر تعاليمه
بطريقة سلمية؟ كلام الناطق باسم الحكومة هو شكل رسمي للتطرف الديني..
كان الأولى في نظرنا، هو استدعاء ممثلي المجلس العلمي الأعلى وممثلي الكنائس والحاخامات بالمغرب، قبل أي إجراء، وخوض حوار حول سبل التعاون لضمان ممارسة الحرية الدينية للجميع بدون أية
مشاكل أو اضطرابات اجتماعية، وذلك في انتظار تعديل الفصل 220.
كما كان يجب ربما السعي إلى تطوير عمل العلماء والمؤسسات المختصة وابتداع وسائل وآليات جديدة وعصرية للتحصين الروحي الذاتي للمغاربة المسلمين، بدون زجر لأتباع الديانات الأخرى أو اعتداء
على حقوقهم، وإعمال إستراتيجية بنيوية للنهوض بالأوضاع الاجتماعية ومحاربة الهشاشة.
محمد الساسي
الجريدة الأولى
18 مارس 2010
العدد 562 الصفحة 11