Agis et ne laisse personne décider à ta place, tu es maître de ta vie et de tes choix
من الواضح أننا لم نستطع أن نقنع جزءا من أبناء الصحراء بصواب الخيار الوحدوي، وأصبح علينا الاعتراف بأن الخيار الاستقلالي مارس عليهم إغراء بيِّنًا واستبد بوجدانهم وعقولهم وبدا لهم براقا وذا جاذبية لا تُقَاوم.
انتقل جزء من أبنائنا في الصحراء إلى التعبير الصريح عن نزعة انفصالية، واتسم ذلك في وقت من الأوقات بطابع سلمي عموما. اليوم تحول دعاة الانفصال إلى الاستعمال المنهجي للعنف.
دعوات الانفصال موجودة في عدد من البلدان الديمقراطية، وقد تتخذ أحيانا نهجا عنيفا ومسلحا، ولكنها تظل معزولة ومحاصرَة ولاتؤثر على وضع البلدان المعنية ولا على مصيرها وعلاقاتها ومكانتها. أما في الحالة المغربية، فإن هذا التطور الجديد في وسائل عمل الحركة الانفصالية بالداخل، سيزيد في تعميق متاعب المغرب وفي الإضرار بموقفه في المنتظم الدولي، وفي تصعيد الضغط على بلادنا.
ولهذا، فقد أدرك المسؤولون هذه المرة أن الرد على العنف بعنف مضاد سيضعف موقفنا أكثر. لأول مرة في المغرب منذ الاستقلال، تقع احتجاجات للسكان، واشتباكات مع قوات الأمن، فيسقط 12 من أفراد القوات العمومية، ولا يموت إلا مدنيان فقط : أحدهما نتيجة حادث لإطلاق الرصاص ردًا على اختراق حاجز أمني، والثاني لم يكن السبب المباشر لوفاته –على ما يظهر- ذا صلة بتدخل القوات العمومية.
لقد تحدث إعلام الانفصاليين والإعلام الموالي لهم، عن سقوط ضحايا مدنيين بسبب هجوم القوات العمومية، ولكن هذا الادعاء –حتى الآن- مجرد من وسائل الإثبات.
الحصيلة الثقيلة من القتلى في صفوف القوات العمومية هي دليل على وجود أوامر صارمة بعدم إطلاق النار على السكان المحتجين. ويعلم الله ماذا كان سيكون موقف عدد من وسائل الإعلام الأجنبية، لو صدرت فعلا أوامر بإطلاق النار ونُفِّذت، فالارتباك في الخطة الإعلامية للانفصاليين وتوريطهم لعدد من الصحف المعروفة في انزلاقات مهنية خطيرة، هو دليل على أنهم فوجئوا برباطة جأش القوات العمومية وحكمتها التي كلفتها بذل هذه التضحية الكبيرة. فباستثناء عملية إجلاء المحتجين الذين نصبوا خيامهم –وهي العملية التي قد تكون مشروعة أو غير مشروعة من الوجهة الحقوقية حسب الظروف التي أحاطت بها، وخاصة منها مدى ثبوت ضرورتها أو عدم ثبوته من الناحية الأمنية- فإن الوسائل التي استُعملت في العملية، لم يكن من شأنها في حد ذاتها، حسب المعطيات المتوفرة، إراقة دماء أو وإزهاق أرواح أو تحقيق مس غير ضروري بالسلامة بالبدنية للأشخاص أو بممتلكاتهم.
وإذا كنا نعتبر أن إبداء الرأي الانفصالي، يدخل في خانة حرية التعبير خاصة أن سكان الصحراء مدعوون حسب صيغة الحكم الذاتي نفسها إلى التصويت بقبول أو رفض الصيغة، فإن استعمال العنف من طرف أصحاب ذلك الرأي ليس مبرَّرًا، ولايمكن هنا التحجج بالممارسة الشرعية لحق المقاومة المسلحة في مواجهة سلطة محتلة. فلم تكن هناك جمهورية صحراوية قائمة بعين المكان، ثم تعرضت لهجوم مغربي واغتصاب لترابها. فالمنطقة دوليا هي موضوع تنازع ومفتوحة على اختيارات متعددة. والوجود المغربي بالصحراء مشروع لأنه تم بناء على اتفاق دولي، وعلى أساس ممارسة إدارته للإقليم في انتظار الحسم النهائي، وهناك هدنة موقعة برعاية دولية.
ومع ذلك، فإن أحداث العيون تسائلنا، وتطرح علينا ضرورة البحث عن نسبة مسؤوليتنا في هذا المآل الدرامي لقضية مخيم (اكديم إيزيك). ما هي يا ترى العوامل التي ساهمت في جعل جزء من أبناء الصحراء يتبنون الطرح الانفصالي بهذه الحدة والتي شجعت على جعل هذا الطرح يحظى بكل هذا القدر من التأثير ويدفع بأصحابه إلى حد ممارسة القتل في حق رموز السلطة، وبأبشع الطرق؟ لا مجال للتحلل من المسؤولية أو التهرب منها بدعوى وجود مخطط معاد ذي قوة مادية ولوجستيكية كاسحة ومدمرة. يجب القطع مع المناهج التي استعملناها حتى الآن ومع الفلسفة والمقاربة التي تحكمت في تدبير الملف.
ملف الصحراء أُدير بطريقة تتجاهل ضرورة استثمار التفكير والجهد الجماعيين، وظل حبيس الدوائر المغلقة. صحيح أن الراحل الحسن الثاني كان يجري استشارات مع الأحزاب بين الفينة والأخرى، ولكنه ظل مقتنعا بأن القرار في النهاية يعود إليه. وسلَّمت الأحزاب من جهتها بأن الأمر يتعلق بمجال محفوظ للملك، واستمرأت وضع الاكتفاء بتسويق الخطاب الرسمي عدا بعض الاستثناءات (محاكمة قيادة الاتحاد الاشتراكي بسبب ممارسة نقد مبادرة ملكية في الموضوع).
استعملت الأحزاب قضية الصحراء كوسيلة للتقرب والولاء، ولم تقدم اقتراحات عملية جادة إلا فيما ندر. وتصرفت في المحافل الدولية بشكل متشنج يظهرها في صورة أحزاب شوفينية لاتقبل منطق الحوار والتفاعل الإيجابي، بينما النظام يحاور البوليساريو.
واستُعملت قضية الصحراء لتبرير تعطيل عدد من الحقوق الديمقراطية، فاعتُبر إعلان إضراب عام مثلا تحالفا مع خصوم الوحدة الترابية. وتصدرت وزارة الداخلية تدبير الملف فطغى الاعتبار الأمني على غيره. وساهم تزوير الانتخابات في تعزيز التخوف من تزوير إرادة الصحراويين. وتم توزيع الأحزاب على القبائل أو توزيع القبائل على الأحزاب واعتبار التحالف مع شيوخ القبائل كافيا لضمان استقطاب القبائل، كما لو أن النظام القبلي جامد لايتحرك ولايتطور ولايفرز بنيات مضادة أو موازية، وكما لو أن البنية الديمغرافية لن تنتج أجيالا جديدة من أبناء الصحراء الذين سيشبون عن الطوق وسيشقون عصا الطاعة على الأعيان والشيوخ.
ولم تُوضع خطة لاستثمار وتأطير العائدين، وبناء بديل هيكلي للبوليساريو. وأدت حملات القمع إلى استنبات خلايا الانفصال في ساحات الاعتقال. وتم تبرير اعتقال عدد من مناضلي اليسار الجديد بحجة مناهضتهم لمغربية الصحراء، مما أعطى الانطباع بأن الإجماع قسري. وتم رفع شعار الاستفتاء "التأكيدي" دون مراعاة لما ينطوي عليه من تناقض. واعتُبرت منطقة الصحراء كمجال ترابي ذي حساسية، ويجب أن تُمارس فيه الحقوق الديمقراطية تحت سقف أوطأ مما هو متاح في باقي المناطق، وفي إطار نوع من "التعاون مع الدولة"، إلى درجة سيادة الانطباع أحيانا بأن للدولة الحق في تجاهل الحريات في الصحراء بدون اعتراض أو تتبعات. وجرى المس بأخلاقيات المواطنة، وتسويغ نظام الامتيازات، وتم العصف بمبدأ المساواة أمام القانون، واعتُبرت بعض فئات الصحراويين مستثناة من حملة مكافحة الموظفين الأشباح. ولم نُحسن التصرف مع أصدقائنا وحلفائنا (السينغال). وتم تعميم سياسة استرضائية تكرس العبث بواجبات المواطنة. وخضعت معالجة قضية الصحراء في الإعلام العمومي لنوع من السطحية، حيث لايتم استحضار تعقيدات الملف وحجج الطرف الآخر. يكفي أن نذكر هنا بأن الإعلام المغربي مثلاً لم يسبق أن عرض المضمون الكامل لقرار محكمة العدل الدولية.
وأدى فشل تجربة "التناوب" في إرساء الانتقال الديمقراطي، إلى استمرار ضعف المصداقية الديمقراطية للدولة المغربية وتواصل وجود خصاص في الثقة بها بالنسبة لعدد من الشباب الصحراوي. ولم يتم الانتباه إلى أن دعوة جبهة البوليساريو إلى إلقاء السلاح والتحول إلى حزب سياسي، تقتضي أن تكون هناك أحزاب سياسية حقيقية ستعمل بجانب هذه الجبهة وتتفاعل معها، أما حال الوضع الذي تُسَلِّم فيه أغلب الأحزاب المغربية بأن المرحلة التاريخية تقتضي أن يظل المجال الملكي المركز الأصلي للقرار بغض الطرف عن حكم صناديق الاقتراع، فلا يقدم أية حوافز عقلية لتلبية تلك الدعوة.
كما أن محاكمة التامك ورفاقه، وسيل السباب الذي كيل إلى أمينتو حيدر، وخطاب التخوين الجاهز، كلها عناصر تتناقض مع فلسفة الحكم الذاتي القائمة على مصالحة تاريخية، لا يكون فيها غالب أو مغلوب ولا منتصر أو منهزم، بل تمثل نوعا من "التجمع العائلي".
لهذا كله، نرى أن أحداث العيون، تتطلب منا:
أولا- أن نضع حدا للسياسات والمقاربات القديمة، وأن ننطلق من رؤية أخرى تعتبر أن الخيار الوحدوي رغم سلامته، لاينبغي فرضه بالضغط أو العنف أو التزوير أو المناورة أو الإرشاء.
ثانيا – تخفيف الاحتقان وتحقيق نوع من الانفراج بإطلاق سراح التامك ورفاقه وتوسيع فضاء التعبير الحر عن الأفكار، وتوفير شروط المحاكمة العادلة لمعتقلي الأحداث الأخيرة، وسحب كل التهم ذات العلاقة بحركية الاحتجاج، والتفريد الدقيق لجرائم القتل والتخريب.
ثالثا – خوض حوار مع دعاة الطرح الانفصالي في الداخل، على أساس أن يتناول النقاش مصير المغرب كله وليس مصير الصحراء وحدها. وبمعنى آخر، يجب ربما أن نقول لجميع أبنائنا في الصحراء، إن مشروع المستقبل الذي يجب أن نرتب جميعا أمر تحقيقه، ليس هو تقرير مصير المغاربة الصحراويين، بل تقرير كل المغاربة لمصيرهم في إطار انتقال ديمقراطي حقيقي يجعل الصحراويين طرفا في بناء مؤسسات دولة للقانون ذات نظام جهوي متقدم وحكم ذاتي في الصحراء. وبمعنى آخر، يجب ألا تكون القضية المطروحة للنقاش، هي فقط قضية صلاحيات الصحراويين في الصحراء أو حقوق سكان هذه الجهة أو تلك، بل هي قضية استظلال عموم المغاربة أينما كانوا بوارف ظل دولة ديمقراطية حقيقية قادرة على الوفاء بالتزاماتها إزاء الجميع.
يجب ألا تكون الديمقراطية المخولة لمواطني جهة ما منحة خاصة، بل ثمرة اختيار ديمقراطي عام وشامل. لا يجب أن ننطلق في تعاملنا مع سكان جهة معينة، من تصور قائم على أن ما يهم سكان الجهة هو أمور جهتهم، وعند هذا الحد تتوقف حقوقهم، بل علينا أن نتعامل معهم كمواطنين يهمهم ما يجري في المغرب كله.
إن مقترح الحكم الذاتي يمثل أرضية جيدة للنقاش. وطرح المبادرة فيه قدر كبير من الإقدام والجرأة. ولكن نقطة الضعف الأساسية ربما هي ما تضمنه البند السادس من المقترح، والذي يقضي بأن المبادرة تتم في إطار احتفاظ الملك باختصاصاته الدستورية والدينية بوصفه أمير المؤمنين. فإذا كان التفسير الرسمي الذي يُقَدَّم عادة لتلك الاختصاصات في ضوء الفصل 19 من الدستور المغربي، يجعل منها عمليا اختصاصات بلا ضفاف ولا حدود تقريبًا، فإننا سندخل في تناقض : إذ سنقول لأبناء الصحراء، دَبِّرُوا شؤونكم بأيديكم، وهذا عين الديمقراطية. ونقول لهم في ذات الوقت : إقبلوا وجها من السلطة شبه المطلقة، مما يأباه الضمير الديمقراطي، وليس هناك ضمانات بعدم انعكاس آثار هذا الوجه عليهم.
لا يعني هذا أن الحل، هو أن يكون هناك مغرب بالصحراء وبدون ملكية، أو مغرب بالملكية وبدون الصحراء. نريد مغربًا بصحرائه وملكيته المنفتحة على متطلبات الديمقراطية والحداثة. لهذا، فالرهان المفروض علينا خوضه هو أن ينخرط الجميع في مشروع انتقال تاريخي، تتم عبره عملية "إعادة بناء" المغرب السياسي بكامل صحرائه، وملكيته، وأحزابه، ومؤسساته، وكل شيء فيه.
جريدة "الحياة الجديدة" ع 116
26 نونبر 20 دجنبر 2010 – ص 11