Agis et ne laisse personne décider à ta place, tu es maître de ta vie et de tes choix
الـفـرسان الثـلاثـة
فتر الحديث عن الحركة الاحتجاجية التي قام بها ثلاثة أعضاء قياديين في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والذين جمَّدوا عضويتهم في المكتب السياسي، وهم الأستاذ علي بوعبيد والأستاذ محمد الأشعري والأستاذ العربي عجول. السبب الأساسي للاحتجاج هو عدم تطبيق مقررات المؤتمر الوطني الثامن للحزب في شوطه الثاني المنعقد أيـام 7-8-9 نونبر 2008 بالصخيرات.
الفرسان الثلاثة لم يتراجعوا عن قرارهم رغم تعدد المساعي التي قام بها رفاقهم الآخرين في القيادة. ولكن الإعلام المغربي لم يعد ينقل إلينا أي شيء عن تطور هذه الحركة الاحتجاجية، ونشاط أبطالها وتحركاتهم، رغم أن هؤلاء يحاولون اليوم المساهمة في فتح نقاش عام حول مصير اليسار عموماً في مغرب اليوم، وليس فقط حول دلالات حركتهم.
الفرسان الثلاثة لم يسبق لهم في الماضي أن التأموا في حركة احتجاجية داخلية مماثلة، ومع ذلك فهم يعرفون بعضهم بعضاً منذ مدة ليست بالقصيرة، وتجمعهم عدة عناصر مشتركة :
- فهم جميعا أيدوا قرار خوض تجربة التناوب الذي اصطلح على تسميته بالتوافقي.
- وهم جميعا تحملوا مسؤوليات عمومية ذات علاقة بعمل الفريق الحكومي للتناوب. فالأستاذ الأشعري كان وزيراً للشؤون الثقافية، والأستاذ عجول كان كاتبا للدولة مكلفا بالبريد والتقنيات الإعلامية، والأستاذ بوعبيد كان عضوًا بديوان الأستاذ محمد اليازغي الذي كان يشغل حينها منصب وزير مكلف بإعداد التراب الوطني والبيئة والتعمير والإسكان.
- وهم جميعاً تلقوا تكوينهم باللغة الفرنسية ولهم ثقافة فرنكفونية، فالأستاذان عجول وبوعبيد درسا بفرنسا، والأستاذ الأشعري تابع دراسته بالقسم الفرنسي لشعبة القانون الخاص بكلية الحقوق بالرباط، رغم كونه أحد أبرز وجوه الإبداع الشعري والأدبي المكتوب بالعربية في المغرب.
- وهم جميعا قاطنون بمدينة الرباط، وقريبون جغرافيا من مركز غرفة العمليات الحزبية.
- لم يسبق لهم جميعاً أن دخلوا في صراعات تنظيمية داخل الحزب، أو حرَّكهم طموح شخصي للاستحواذ على الآلة الحزبية وخلق شبكة نفوذ تنظيمي.
- وهم جميعاً التحقوا بالحزب منذ المرحلة الطلابية في حياتهم.
- وهم جميعاً من أعلى الكفاءات التي يتوفر عليها الاتحاد الاشتراكي وأجودها.
- وهم جميعا لم يقدموا ترشيحهم لمنصب الكاتب الأول للحزب، بل اكتفوا بمساندة مرشحين آخرين.
وهناك من جهة أخرى، عناصر تمايزو افتراق بين الشخصيات الثلاث :
- فهم من أجيال مختلفة : ينتمي علي بوعبيد إلى جيل شباب الحزب، وينتمي الأشعري وعجول إلى جيل يتوسط بين شيوخ الحزب وشباب الحزب.
- الأشعري وعجول سبق أن تقدما للإنتخابات العامة، بينما لم يسبق لعلي بوعبيد خوض غمار هذه التجربة.
- الأشعري وبوعبيد من الوجوه الإعلامية، الحاضرة في النقاش العام بشكل بارز، بينما المعروف عن عجول هو أنه شخصية كتومة، رغم ما يتوفر له من حنكة وحصافة وعمق تفكير.
- ينحدرون من أوساط اجتماعية متباينة ومن مناطق ولادة مختلفة.
والملاحظ الموضوعي سيسجل مبدئيا – وبدون إصدار حكم قيمة على الحركة الاحتجاجية للقادة الثلاثة- أن قضية عدم تطبيق مقررات المؤتمر الثامن هي مشكلة حقيقية وليست مفتعلة.
فالمؤتمر المذكور توصل إلى ثلاثة قرارات أساسية على الأقل :
الأول هو مراجعة وظيفية المشاركة الاتحادية في الحكومة، وإعادة إدخال هذه المشاركة في أفق الإصلاح الدستوري والسياسي بهدف التأسيس لنظام الملكية البرلمانية. أي أن كل مشاركة لا تفضي إلى هذا الإصلاح ولا تتوفر على ضمانات تحقيقه تخالف التوجه الحقيقي للمؤتمر.
الثاني هو إنجاز تعاقد جديد، والمقصود هنا على ما يبدو، هو تجاوز مفهوم التوافق الذي قيل بأن تجربة التناوب انطلقت في ظله، إلى مفهوم للتعاقد يضع على عاتق أطرافه التزامات محددة ومتبادلة، حتى لا يتكرر ما وقع من قبل، حيث كان النظام يعتبر نفسه متحرراً من أي التزام أو تعهد إزاء المشاركين معه في الحكومة، باعتبار أن موافقتهم على المشاركة لم تكن مشروطة.
الثالث هو الإعلان رسميا في أقرب الآجال عن رزمة إصلاحات هيكلية شاملة تتناول مختلف مناحي الحياة الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، تمثل ربما في نظر المؤتمر الحد الأدنى الضروري لإمكان الاعتراف بتقدم المنحى الإصلاحي في البلاد، وبمساهمة المشاركة الاتحادية في تعزيز هذا المنحى.
هذه كانت بعض ملامح الخطة التي تبناها المؤتمر، وغدت القيادة الحزبية المنبثقة عنه، مطوقة بواجب تنفيذها.
إلا أن الخطة العملية التي سار عليها الحزب منذ مؤتمره الأخير إلى الآن، أخذت اتجاها مختلفاً. فلم تُوضع قضية المشاركة موضع تساؤل عن وظيفيتها وأهدافها، ولم يتم إبرام تعاقد جديد ولا إعلان لرزمة الإصلاحات المطلوبة. كل ما حصل هو الإعلان عن تقديم مذكرة إصلاحات دستورية إلى الملك، والسعي لتحسين الوجود الكمي للحزب في الحكومة وتصحيح ما اعتُبر غبنا لاحقا بالحزب، والتمكن من حيازة موقع رئيس مجلس النواب. مقاربة المؤتمر كانت منشغلة بغائية المشاركة ونتائجها، والمقاربة المعتمدة فعلاً على الأرض انشغلت بحجم المشاركة وكمها.
فحركة الفرسان الثلاثة تطرح موضوعاً جوهريا متعلقا بمآل المقررات الحزبية. فكما أن ما يصدر في البلاد من قوانين لا يُطبَّق في جزء كبير منه (ظاهرة عدم فعالية أو عدم نفاذ القوانين وهي مسألة تشغل باستمرار رجال القانون)، فإن ما يصدر عن الأحزاب من مقررات لا يعرف طريقه إلى التطبيق في حالات كثيرة. وهذه ليست مشكلة خاصة بالاتحاد الاشتراكي، بل هي تهم مختلف الأحزاب، بما فيها أحزاب اليسار المعارض. فوجود حزب في المعارضة لا يعني بأنه يتوفر على لياقة بدنية وإحساس بالتحرر من الإكراهات، بالشكل الذي يجعله أحرص من غيره على تطبيق ما يفيض عـن أجهزتـه -ذات الاختصاص- من مقررات.
طبعا، في حالة الاتحاد الاشتراكي، لم يكن متوقعا أن يُصار إلى تطبيق ما قرره المؤتمر من تدابير وتوجهات، لسبب بسيط هو أن ذلك يخالف ربما القناعات والفلسفة التي درج على انتهاجها الكاتب الأول المنتخب الأستاذ عبد الواحد الراضي، والذي لم يلجأ يوماً إلى إخفاء توجهاته المعتدلة ولم يستعمل أصباغاً أو تمويها، فقد كانت له دائما شجاعة التعبير عن أفكاره ولو كان في ذلك سباحة ضد التيار. وكان هذا أحد أسباب الاحترام الذي حظي به دائما حتى وسط المخالفين له في الرأي.
هل المشكلة كانت مشكلة المؤتمر، الذي صوَّت بطريقة ديمقراطية على مقررات معينة، وصوَّت في ذات الوقت، بطريقة ديمقراطية أيضاً، على كاتب أول، له منهج في العمل مخالف لتلك المقررات، ولم يكن هناك ربما أمل في أنه سيطبقها، حتى أنه مباشرة بعد انتهاء أشغال المؤتمر، أفصح عن تأويل جد معتدل للمقررات بشكل بدا للوهلة الأولى صادماً. لماذا نُصِرُّ في أحزابنا أحياناً على التصويت على مقررات "ثورية" ونصوت على أشخاص "معتدلين" يفكرون بطريقة مختلفة عما جاء بالمقررات؟ هل ينجم ذلك عن استمراء الأبوية والشعور باستحالة العيش دون شيوخ نسجنا معهم ألفة طويلة، أم ينجم عن كون أحزابنا لم تفرز بعد قيادات "ثورية" ينسجم تفكيرها وفعلها مع ما نتخذه من مقررات؟
إذا كانت هناك من قيمة رمزية لحركة "الفرسان الثلاثة"، فهي تتجلى أولاً وقبل كل شيء، في دعوتنا جميعا إلى التأمل في ظاهرة عدم تطبيق المقررات الحزبية بصورة عامة، وإلى بحث الأسباب التي جعلتنا حتى الآن لا نستطيع التخلص من هذا الخلل، والذي يؤدي إلى تفاوت مزمن بين ما يُنتج من برامج وما يُطبق على أرض الواقع.
فهل السبب الوحيد في وجود هذا الخلل، يكمن في التناقض القائم بين طبيعة البرامج التي تُسطر حزبيًا وطبيعة القيادات التي تفرزها المؤتمرات؟ أم أن هناك أسباباً أخرى؟
هل يعود الأمر إلى أن المقررات والبرامج تكون أكبر من الواقع، ولا تستند إلى دراسة عميقة لميزان القوى، وتقدير دقيق لقدرات الحزب الذاتية ولدرجة نفوذه في المجتمع ولمنسوب موارده وطاقاته؟.
هل توضع البرامج أساسًا لكي تُطبق، أم فقط لتؤدي وظيفة تزيين واجهة الحزب وإعطائها نوعا من الجاذبية والبهاء؟ ألا يكون المقررون في الأصل، إذا أُخذوا كأفراد كلٌّ على حدة، في قرارة أنفسهم، غير راغبين في تنفيذ ما اتفق عليه، بينما عندما نأخذهم ككائن جماعي واحد متلاحم، فإنهم يعطون الانطباع بأن ما جاء في المقررات يطابق إرادتهم.
ألا تنتج القرارات والبرامج عن جدلية تتحكم فيها المزايدات والهروب إلى الأمام، والانفعالات، والمواقف غير المحسوبة العواقب، والاندفاعات الجماعية؟
ألا توضع المقررات في الأساس من أجل آداء وظيفة بسيكولوجية للتنفيس وإعطاء (الجماهير الحزبية) فرصة لتصريف غضبها بالكلمات والمقررات والخطابات والبرامج التي تتعرض فيما بعد للتحنيط والتجميد في ثلاجات القيادات؟
ألا تخضع عملية صياغة المقررات للحسابات المتعلقة بمحاولة طرف ما ربح المعركة التنظيمية الداخلية ضد طرف آخر، فيستعير شعاراته وأفكاره، لسد الطريق أمام تقدم الطرف المنافس وتحجيم نفوذه والحيلولة دون حيازته لمواقع جديدة؟
ألا نعتبر جميعاً في أحزابنا السياسية أن المكتوب ليس هو المرجع وأنه لا يمثل حقيقة السياسة كما تُمارس وكما يجب أن تُمارس، وأن العبرة هي بنوع "البرامج والسياسات" التي تستقر في رؤوس القادة العظام والتي تَتَفَتَّقُ عنها عبقريتهم الفذة في لحظات إشراق خاصة بهم ومتعالية على قواعدهم؟.
ألا نعيش في أحزابنا خلطا بين الأهداف المرحلية والأهداف الإستراتيجية، فتأتي البرامج والمقررات في صيغ عامة لا يمكن إنجازها بها إلا على مدى زمني طويل؟
ألا نعاني من مرض النسيان الجماعي الذي يجعلنا، بسرعة قياسية، لا نتذكر ما قررناه، ولا نحس بأن في ذلك ما يلزمنا بالرجوع إلى وثائق المؤتمر والاستهداء بها؟
أليس هناك تأثير لحالة الفوضى التي تعم أحياناً جو مؤتمراتنا، فنتخذ قرارات متناقضة، ونصوت على أوراق متباينة في مقارباتها وتوجهاتها، وتتوصل لجنة ما إلى خلاصة متعارضة مع ما توصلت إليه لجنة أخرى، ونصوت أحياناً على كل ذلك دفعة واحدة في الساعات الأخيرة للمؤتمر بدون تمحيص؟
ألا نعيش في بلد تتوالى فيه الأحداث الطارئة والمستجدات السياسية وتتغير فيه المعطيات والحسابات بسرعة كبيرة، بشكل يجعل كل ما يتقرر في المؤتمر الحزبي يصبح بعد فترة وجيزة متجاوزاً و "غير ملائم" ومنتهي الصلاحية؟
وأخيراً بقي أن نشير، إلى أن المصير الذي تلقاه مقرراتنا وبرامجنا لا يعود فقط إلى تلكؤ القيادات في التطبيق، وركوبها سبيل "التسويف والمماطلة"، بل يعود أيضاً إلى عدم حرص القواعد على التطبيق المحلي لما يُتفق عليه، وإلى عدم إبدائها الحركية الكافية لتنشيط الدورة الدموية للحزب وحمل قيادته الوطنية على تطبيق ما التزمت به.
جريدة "الحياة الجديدة"
17-23 دجنبر 2010
العدد 119 الصفحة 16