Agis et ne laisse personne décider à ta place, tu es maître de ta vie et de tes choix
مدونة السير، الإعلام والصحراء
وقعت في سنة 2010 بالمغرب عدة أحداث كبرى تستحق أن يتناولها المحللون بالدراسة والتحليل، وتستأهل الوقوف عندها وسبر أغوارها وتشريح مادتها واستقراء أبعادها. ولكننا نعتبر أن التركيز يجب أن يقع على الأحداث ذات الصلة بمواضيع ثلاثة هي مدونة السير، والإعلام، والصحراء، لإبراز تأثيرها على مجريات العام الذي ودعناه.
يمكن للأحداث المرتبطة بالمواضيع المذكورة أن تنال اعتباراً خاصاً من طرف الباحثين من زوايا عدة، لعل من أبرزها أننا كنا بصدد أحداث عرفت نقاشا في الساحة العامة، وسيظل صدى هذا النقاش متردداً في السنوات المقبلة. لم تنل بقية القضايا حظا مماثلاً من النقاش، ولم تعرف نفس درجة الاحتكاك والتباين في المواقف والمقاربات الذي عرفته الأحداث المرتبطة بمدونة السير، وبالإعلام، وبالصحراء.
على صعيد عام، يمكن أن ندرج ضمن الأحداث الهامة التي عرفها المغرب عام 2010 :
- استمرار الانتفاضات في المدن الصغرى والمتوسطة، فبعد صفرو وإيفني جاء دور تنغير. هذه الانتفاضات تؤكد أن خطر الانفجار الاجتماعي يظل وارداً، وأن "الأوراش الكبرى" لم تستطع تأمين الدرجة المطلوبة من الانفراج الاجتماعي العام. هناك إذن فئات وشرائح ومناطق بكاملها لا تمتد إليها آثار "التحسنات" التي يُقال رسميا أنها حصلت على المستوى الاقتصادي في السنوات الأخيرة التي أعقبت حقبة الجفاف.
- التأثر الكبير والمثير الذي أصاب البنيات التحتية بالمدن نتيجة التساقطات المطرية. فكالعادة تكشف تلك البنيات هشاشتها وعوراتها عند كل تهاطل للأمطار، وهذا يعني أننا أمام بنيات تنقصها الكثير من مقومات المتانة المطلوبة، وأننا لم نطور بعد نظاماً وطنيا عاماً ملائماً لمواجهة الطوارئ، وأن ظواهر استشراء الفساد وتلاعب المنتخبين ونهب المال العام تكلف المغاربة ثمنا باهضا يؤدونه من حياتهم وسلامتهم وسلامة ممتلكاتهم الخاصة.
- الإعلان عن اكتشاف المزيد من الشبكات الإرهابية إلى درجة أن الأمر تحول إلى مسلسل لا ينتهي، وإلى خبر مألوف يتوقع المواطن في أي يوم أنه سيتصدر جرائد الغد. أصبح هذا النوع من الأخبار كثير التواتر والاطراد إلى درجة أنه لم يعد يثير التساؤلات التي يُفترض أن يثيرها والتي تتلخص في ثالوث : كيف، ومتى، وأين؟. الخطير في الأمر أن المنظمات الحقوقية وأمام هذا الطوفان من المتابعات والملفات والاعتقالات تقف عاجزة عن المتابعة الدقيقة، فيفقد المجتمع ككل وسائل مراقبة سلامة الإجراءات وقوة حجج الاتهام ومدى تماسك الروايات الرسمية عن المخططات الإرهابية.
- حصول تقدم على مستوى بعض أوجه الإنتاج الفني، وخاصة المتعلق منه بالحقل السينمائي والمهرجانات الموسيقية. أكدت المناشط الكثيفة المنظمة عام 2010 أن المغرب تحول إلى قبلة للمثقفين والفنانين والمبدعين الوافدين من الجهات الأربع للعالم. وهناك تطور ملموس في الإصدارات من الكتب والمجلات، ومزيد من التقدم على مستوى التواصل الثقافي الإلكتروني بين المغاربة. هذه الحركية الثقافية العامة أصبحت تلاقي من خلال بعض أوجهها اعتراض الأوساط المحافظة في المجتمع، ولكن ذلك لم يحل بينها وبين المزيد من الاتساع.
- فتح ورشة البحث والتفكير في القضية الجهوية. يظهر أن هذه القضية أصبح لها فجأة جيش عرمرم من الأنصار، وأصبحت واردة على كل لسان وفي كل محفل ومنتدى، إلا أن المعالجات التي تعرفها المسألة الجهوية، تبتعد في الكثير من الأحيان عن التصدي للإشكال الجوهري الذي يتعين في نظرنا البدأ بمعالجته أولاً، والمتمثل في السؤال التالي : كيف سنطبق جهوية متقدمة أو "موسعة" في ظل نسق سياسي ودستوري لا يقبل الفصل الحقيقي للسلط ويعتبره بدعة، مادام يرى أن الملكية على مستواها غير معنية بهذا الفصل كما كان يقول الملك الراحل. فإذا انفصلت السلطات في مستوى أدنى، فإنها تجتمع في مستواها الملكي الأعلى. والجهوية هي تمرين على فصل مجالي للسلطات. وكيف نطبق الجهوية في نسق يعتبر أن الأصل في القرار هو أن ينزل من أعلى إلى أسفل، ولا يعترف بأن القرار يصدر من قاعدته الطبيعية التي هي الشعب. فالمنظور التقليدي للحكم عندنا يعتبر أن أمر الشعب بفئاته المختلفة في الشمال والجنوب والشرق والغرب، هو أمانة في عنق الحاكم حمَّله الله بها في زمن سابق.
- استمرار تعثر إصلاح القضاء، وبروز اسم القاضي جعفر حسون كرمز لثورة قاض قدم - لأول مرة بشكل مفصل وعلى نطاق واسع - الدليل على ما يعانيه القاضي المغربي من وضع أشبه بالوصاية الدائمة، وعلى المتاعب والمخاطر التي تحدق بأي قاض تجرأ على التمسك باستقلاليته.
- إخضاع رئيس التجمع الوطني للأحرار لنوع من "التأديب" المرتب. وهذا يفيد أن سمة التبعية لدى الأحزاب الإدارية هي قضية محسوم فيها ولا يمكن أن تتغير في المدى المنظور. وأن "الوافد الجديد" ليس فقط مجرد كيان حزبي مرتبط بجهاز الدولة، بل هو أيضا أداة لرعاية وتأمين ارتباط الأحزاب الأخرى بذلك الجهاز. إن حزب الأصالة والمعاصرة يسعى لكي يكون محور الحياة الحزبية في المغرب والمركز التي تدور حوله مختلف الأحزاب.
- تواتر قرارات عليا بالعزل والإبعاد في حق مسؤولين كبار في الدولة على خلفية تهاونهم في آداء وظائفهم وسوء تدبيرهم. هناك دائما في مثل هذه الحالات تخوف من أن تكون بعض القرارات قد اعتمدت أحيانا وبحسن نية على تقارير أُعدت بغاية تصفية حسابات ما أو على وشايات وشكايات حرضت على رفعها جهات لا تحركها دوافع المصلحة العامة، أو لم تُتَح للمعنيين بالقرارات فرصة الدفاع عن أنفسهم والرد على التهم الموجهة إليهم، مما يفرض توفير كافة ضمانات ومتطلبات سير دولة المؤسسات ومساطر الحكامة المنصفة للجميع.
- إجراء تعديل حكومي جزئي في سياق ظهر أن وراءه ربما صفقة سياسية بمقتضاها تم تحسين التمثيلية الاتحادية في الحكومة مقابل تغيير مواقف بعض القادة واعتمادهم مواقف جديدة بعيدة عن روح ونص مقررات مؤتمرهم الحزبي، مما أفسح المجال لظهور كتابات وتقييمات تنتقد هذا السلوك باعتباره نموذجا لتغيير المواقف بتغيير المواقع.
- إزدياد متاعب حزب العدالة والتنمية من خلال موجة الاستقالات من صفوفه والحملات الهادفة إلى إضعافه والاستغلال المفرط لأخطاء بعض قادته وأعضائه. وهذا يؤشر إلى أن الحزب تنتظره ربما لحظات صعبة في المستقبل، وأن ما يشجع المعادين له على الإيغال في خططهم ضده هو اكتشافهم لبعض مظاهر هشاشته الذاتية.
- تسجيل تراجع الرياضة المغربية وحصد الوزير المعني لمظاهر سخط متزايد لدى الهيئات المدنية العاملة بالقطاع.
بالنسبة لأحداث 2010 المرتبطة بقضايا مدونة السير، والإعلام، والصحراء، نقدر أنها تملك مقومات اعتبارها أحداث السنة بامتياز، نظرا لطبيعة آثارها ومخلفاتها والنقاشات التي صاحبتها.
فبصدد قضية مدونة السير، نلاحظ أنها من النصوص القليلة التي عرفت جدلاً صاخبا شغل حيزاً زمنياً هاما. تذكرنا هذه المدونة بحالة مدونة الأسرة، فقبل المصادقة النهائية عليها، طُرحت قضية مدى علاقة النص بالواقع المغربي، ومدى مشروعية استيراد نماذج من تقنينات غربية، وهل توفرت الظروف والشروط الكافية لإنجاح تطبيق النص. وفي الحالتين معا (مدونة الأسرة ومدونة السير) كان الشارع مسرحاً للمواجهة. لكن مدونة الأسرة اختلفت عن مدونة السير، لأن الأولى حظيت بتدخل ملكي لإعمالها وانتهى معارضو الأحكام الواردة بها إلى قبول التصويت عليها.
لقد توصل المغاربة إلى شبه إجماع على أن حوادث السير ببلادنا تمثل كارثة وطنية. ولكن الاختلاف بينهم قائم حول أي السبل يتعين البدأ بانتهاجها لمعالجة المشكل، وحول ما إذا كان يجب أن نغامر بإصدار نص متقدم استُعير من بنية مجتمعية مغايرة، أم يتعين انتظار أن تتوفر مختلف الشروط المادية والثقافية التي تضمن التطبيق السلس للنص، وكم سيتطلب ذلك من الوقت؟
وفي الأخير جرى اعتماد مقاربة مستندة إلى تليين النص الأصلي بعض الشئ من جهة، وإرفاقه بسلسلة من الإجراءات الأولية التي ستمكن تدريجيا من المساعدة على استيعاب فلسفته وحسن التعاطي معه وتذليل بعض الصعوبات المرتقبة.
لقد كان المعترضون على النص ينذرون بحصول "حرب أهلية" إذا دخل حيز التنفيذ. وهذا يذكرنا بما كان يُشاع بصدد المقتضيات التي وردت بمشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، إذ كان يُقال أن السماح مثلاً للبنت بتزويج نفسها بدون حاجة إلى ولي يعني وضع المجتمع المغربي على شفا فتنة مدمرة أو حرب أهلية من نوع خاص.
تَمَّ في النهاية اعتماد مدونة السير بعد صراع مرير ومفاوضات عسيرة. ومع ذلك يتعين التنبيه إلى أن موقف المعترضين كان يستند إلى تخوف مشروع من أن تُستغل بنود المدونة وأحكامها لمزيد من ممارسة العسف والشطط والابتزاز في حق السائقين. معنى ذلك أننا نعيش في ظل بنية للرشوة والفساد والضغط سابقة على النص، ويُخشى أن يمثل هذا الأخير سلاحاً إضافيا لتنشيطها. ولذلك يظل التحدي المطروح علينا هو اجثتات هذه البنية من الأساس وتصحيح علاقة المواطن بأجهزة الدولة وممثليها.
وبصدد الأحداث المرتبطة بالإعلام، يتعين التذكير أن هذه السنة عرفت انطلاق الحوار الوطني حول الإعلام، واختفاء مجموعة من المنابر، وإغلاق مكتب الجزيرة، ومنع صحفيين من التوجه إلى العيون، والتنديد المغربي الرسمي بانتهاك بعض وسائل الإعلام الإسبانية لأخلاقيات المهنة في معالجتها لأحداث العيون.
إن أخطر ما أفرزته أحداث سنة 2010 هو الاتساع المرتقب لدائرة الصحافيين المنفيين والتي سيلتحق بها المدير السابق لمجلتي (تيل كيل) و (نيشان). لقد طوت بلادنا ظاهرة السياسيين المنفيين، وهاهي اليوم تعيش ظاهرة الصحافيين المنفيين. أن يغادر صحافي أرض بلاده بسبب ظروف مرتبطة بشكل أو بآخر بموقف السلطة منه ومن أفكاره هو شيء لا يبعث على الارتياح ولا يمكن اعتباره عادياً من الوجهة الديمقراطية. وأن تكون جل المنابر التي اختفت بقدرة قادر هي لصحافيين درجوا على نشر افتتاحيات نقدية حادة للسياسة الرسمية، يطرح الإشكال المتعلق بمدى نهوض الدولة بواجب تأمين ظروف متكافئة لكل الآراء لكي تحيى وتنمو وتعيش في المجتمع وتنتشر بين الناس، وإلا اعتُبرت الدولة مخلة بشرط من شروط الديمقراطية. إن مغربا بدون الافتتاحيات والمقالات النقدية لبوبكر الجامعي وعلي عمار وعلى أنوزلا وعلي المرابط وأحمد رضى بنشمسي، لا يمكن أن يدعي نهائياً أنه مغرب ديمقراطي.
هل يستطيع الحوار الوطني حول الإعلام أن ينتهي إلى خلاصات تنفُذ إلى عمق الإشكال، وتقر حق الصحافي المغربي في التمتع بكل الحقوق المكرسة كونيا للصحافي، وتؤكد على عدم وجود حقل مقدس في ممارسة إدارة الشأن العام وعدم وجود حقل مقدس في إدارة الشأن الاقتصادي.
وجذير بالإشارة هنا، إلى أن جنس التحقيق التلفزي قد عرف تطوراً نوعياً يستحق التنويه، من خلال جرأة معالجة قضايا اجتماعية كانت تُصَنَّفُ في عداد المحظورات والمواضيع ذات الحساسية الخاصة.
وبصدد الأحداث المرتبطة بقضية الصحراء، يمكن القول أن سنة 2010 عرفت اجتياز القضية لواحدة من أصعب اللحظات وأشد الأزمات. إن أخطر مظهر للتطور الذي عرفته القضية هو تدويل أحداث مخيم اكديم إيزيك ومحاولة الوصول ربما إلى هدف الانتقاص من سلطات الدولة المغربية في أقاليمها الجنوبية وتخويل السلطات المقتطعة إلى المينورسو.
إن التطورات الأخيرة تفرض علينا طرح سؤالين رئيسيين :
أولاً- لماذا لم نستطع إقناع قطاع واسع من الرأي العام العالمي بعدالة قضية وحدتنا الترابية باعتبارها إحدى مخلفات الخطط الاستعمارية لزرع التجزئة وتمزيق البلدان، والتي تم تجاوز فصول منها بالاسترجاع التدريجي لمناطق أخرى كانت واقعة أيضا تحت الاستعمار الإسباني، إلى أن تَعَثَّرَ هذا التجاوز حين تعلق الأمر بمنطقة الصحراء بالذات. لماذا لم نستطع تفسير ظروف ولادة حركة "تحرير" انتهت في آخر لحظة إلى المطالبة ببناء دولة في خضم استعداد المستعمر الإسباني للرحيل، هي التي لم تطلق عليه رصاصة واحدة، وتقلبت في مواقفها الأولى حسب نوع "الحلفاء" الذين ارتبطت بهم في كل مرحلة.
لا شك أن الخسارات التي نُمنى بها عالميا، تعود في جزء كبير منها إلى قضية حقوق الإنسان في المغرب كله وفي الصحراء على وجه الخصوص.
ثانيا – لماذا لم نستطع إقناع جزء من أبناء شعبنا في الصحراء بعدالة قضيتنا، ولماذا لم نستطع أن نحول المكاسب المحصلة على الأرض إلى مكاسب معنوية مسلم بها دوليا.
لقد تقدم النقاش بخصوص الصحراء خطوة إلى الأمام، وذلك أساساً بفضل مساهمة وتدخل الإعلام المكتوب. والنقاش الذي دار على مستوى هذا الإعلام لا علاقة له بـ "النقاش" الذي دار على مستوى الإعلام السمعي البصري.
هناك اتجاه قيد التبلور والتجذر يوما عن يوم، يعتبر أن الانطلاق من مغربية الصحراء كمُسَلَّمَةٍ لا يحرم صاحبه من حق إبداء رأي مخالف في تقييم التدبير الرسمي للملف. وهناك مواقف معبر عنها داخل العائلة الوطنية ارتقت إلى مستوى عال من الجرأة والنقد الذاتي وفضح ممارسات الماضي.
لقد قيل عام 2010 في موضوع الصحراء ما لم يُقل سابقاً، وتعرض المنهج التدبيري للدولة إلى نقد شديد. لكن سواء في هذه القضية أو في غيرها من القضايا الحيوية الهامة، يُخشى أن يؤدي تطويق فضاءات التعبير وانحسارها إلى ضياع المزيد من فرص الاستفادة من الآراء النقدية ومن المقاربات المخالفة لتوجهات الحاكمين.
جريدة (الحياة الجديدة)
07-13 يناير 2011
العدد 122 الصفحة