Overblog Tous les blogs Top blogs Politique Tous les blogs Politique
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU

Agis et ne laisse personne décider à ta place, tu es maître de ta vie et de tes choix

Publicité

متظاهرون بربطات العنق بقلم الاستاذ محمد الساسي

 

sassi-copie-1

 

متظاهرون بربطات العنق

نجحت الانتفاضة في تونس، فهل ينجح الانتقال؟

أكبر مؤشر على نجاح الانتفاضة هو رحيل رئيس الدولة الذي اضطر إلى إطلاق ساقيه للريح والبحث عن ملجأ، بعد أن روَّعه حجم المد الجماهيري الثائر وقوة الإرادة لدى شعب قرر أن يتحدى الديكتاتورية و أن يهزم الخوف. الانتفاضة نجحت لأنها استطاعت أن تهز أركان النظام وأن تصنع واقعا جديدًا على الأرض، فانطلقت الألسن تلهج بنشيد الحرية، وهبت نسائم التعبير عما يخالج القلوب وما يجيش في الصدور، وانفتحت أبواب النقاش العلني العام حول كل القضايا.

أما نجاح الانتقال، فإنه يعني أن تُتَوَّج الانتفاضة بوضع الديار التونسية على سكة السير نحو الديمقراطية، بخطى واثقة، تقود إلى وضع دستور جديد يضمن التعددية والانتقال والحريات وبناء دولة القانون، وإلى إجراء انتخابات جديدة مفتوحة نزيهة وحرة، وإلى تنصيب قيادة جديدة تتمتع بتزكية شعبية وتحظى بثقة الناخبين وترتبط معهم بتعاقد على برنامج للإصلاح يراعي المطامح والحاجات التي عبر عنها الشارع التونسي.

 كانت نقطة البداية هي إقدام الشاب محمد البوعزيزي على إضرام النار في جسده احتجاجًا على تكسير العربة التي يستعملها، وهو الخريج العاطل عن العمل، لبيع بعض السلع حتى لا يموت جوعًا. خرجت المظاهرات في سيدي بوزيد ثم انتقلت العدوى إلى مناطق أخرى، وتحول الأمر إلى انتفاضة عارمة شاركت فيها فئات مختلفة من الشعب، وواجهها الجهاز الأمني بالرصاص الحي، وسقط عشرات القتلى، دون أن يَفُتَّ ذلك في عضد الانتفاضة، بل ازدادت حماسًا وتوهجا، فغادر الرئيس البلاد، وحاولت الأجهزة المرتبطة مباشرة به زرع الفتنة، وتحويل الانتفاضة إلى فوضى، ولكن مخطط تلك  الأجهزة باء بالفشل.

وأصبح بإمكان العالم العربي أن يفتخر بأن العقود الأخيرة سجلت نموذجين بارزين ورائعين للانتفاضات الشعبية غير المسلحة : انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد المحتل الإسرائيلي والتي جعلت كلمة (انتفاضة) تدخل قاموس لغات العالم، وانتفاضة الشعب التونسي ضد نظام حكم استبدادي وقمعي فاسد.

إن إنجاز قراءة وتحليل أوليين للانتفاضة التونسية يقتضي في نظرنا الانتباه إلى بعض المعطيات والعناصر :

أولاً- ما وقع في تونس هو جزء من تململ عام يشمل مناطق وبلدان عربية أخرى. هناك غليان اجتماعي وسياسي في مصر والمغرب والجزائر واليمن وموريطانيا والأردن. إلا أن الذي جرى في تونس اتخذ صورة انتفاضة عامة وعارمة لشعب نجح في التخلص من ديكتاتور معروف، ولهذا استقطبت الأنظار ولفتت الانتباه، مما جعل الأحداث الجارية في البلدان العربية الأخرى لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام والتحليل والمتابعة. هناك مظاهرات هنا وهناك ومطالب بالشغل والخبز والكرامة والحرية، وهناك سخط متزايد على فساد النخب الحاكمة وتبعيتها ورفضها التجاوب مع تطلعات شعوبها، وهناك دعوات متصاعدة إلى إقرار إصلاحات حقيقية على أكثر من مستوى.

ما جرى في تونس ليس انتفاضة مغاربية خالصة، رغم تزامنه مع حركات احتجاجية عرفها الشارع المغاربي.

ففي المغرب، أصبح تظاهر الخريجين المعطلين منظرًا مألوفًا في شوارع العاصمة، وغدت انتفاضات المدن الصغرى والمناطق المهمشة طقسًا اعتياديًا يُمارس بالتناوب. وهي انتفاضات تطالب برفع مظاهر الحيف والتهميش والظلم وارتفاع الأسعار، وتخضع لتأثير تنسيقيات محلية وتنظيمات يسارية، وهي تتم بجانب سلسلة كثيفة من الوقفات الاحتجاجية المتنوعة والمتعددة والتي تدور مطالبها حول الحد من نهب المال العام، ووقف انتهاكات حقوق الإنسان، ومعالجة اختلالات التدبير، وإنصاف بعض الفئات الاجتماعية والمهنية.

وفي الجزائر، وبعد فصول دراماتيكية من الحرب الأهلية، عاد الطابع الاجتماعي ليمهر الاحتجاج بالشارع العمومي، وتحرك ضحايا السياسات الرسمية للمطالبة بإعادة تأمين شروط لائقة للمعيشة. إلا أن وضع الجزائر يطرح إشكالاً فريدًا وغريبًا متعلقًا بمصير عشرات المليارات من الدولارات التي جنتها الجزائر من رفع أسعار البترول، والتي كان بإمكانها تغيير وجه البلد، ولكنها لم تنعكس على الوضع الاجتماعي الذي يتسم بتزايد الفقر والهشاشة والإقصاء.

فرغم كل صفقات التزود بالسلاح التي عقدتها الحكومة الجزائرية مع أكثر من طرف خارجي، ورغم مجهود إطفاء الديون الخارجية، فإن الرصيد المتبقي يظل مع ذلك في مستوى يسمح بإعادة تأهيل الاقتصاد الجزائري ورفع مستوى معيشة السكان. فما الذي وقع بالضبط وكيف تبخرت كتلة هائلة من العملة الصعبة؟ شيء يكاد لا يصدقه العقل.

وفي موريطانيا شهدت العاصمة نواكشوط مظاهرات احتجاجية على ارتفاع الأسعار، واضطر الرئيس الموريطاني إلى مطالبة الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة ل"التحكم" في الأسعار حتى تظل في مستوى يستطيع الشعب تحمله. وشارك طلاب الثانويات في المظاهرات، وتولت "تنسيقية المعارضة" تأطير مسيرة ضخمة، في نفس السياق الاجتماعي.

إذا كان التحرك الذي شهده الشارع المغاربي قد اتسم بالحدة وأدى إلى عشرات القتلى والجرحى، فإن التحرك الذي شهدته مصر والأردن واليمن لازال متقدًا. إن احتمال انطفاء وخمود هذا البركان وارد مع مرور الوقت، كما أن احتمال اتخاذ الأحداث منحى أخطر وأعنف وارد أيضًا، علمًا بأن المتظاهرين في الأردن مثلاً يطالبون برحيل الحكومة القائمة. وعلى العموم فنحن أمام مشهد غضب جماهيري، تتعدد مسارح ظهوره وانبثاقه، وهو يتخذ في المنطلق صبغة احتجاج على تدني المعيشة وغلاء الأسعار وشح مناصب الشغل وفساد التدبير واحتكار الثروات. أي أننا نعاين النتائج الكارثية لسياسات الحكام القائمة على مسايرة المنطق الذي يسمونه انفتاحًا وليبرالية، وتوثيق عرى التبعية، وتغييب وسائل المراقبة الفعالة وأدوات المساءلة وضمانات الحكامة. كما أننا نسجل العجز الرسمي العربي عن تجنب آثار الأزمة المالية العالمية. وفي مختلف مواطن لحظة الاحتجاج الحالية في بلدان العالم العربي، نلاحظ بصورة إجمالية أن الإسلاميين هذه المرة لا يوجدون في الصدارة. إنهم يشاركون أحيانا في الاحتجاج بجانب قوى أخرى ولكنهم لا يحتكرون التعبير عن عموم المطالب الشعبية ولا يظهرون كصوت مشخص لرأي الأغلبية. لقد خفت الخطاب الذي يستند إلى أن أساس المصائب التي تلم بمجتمعاتنا، هو استهداف هويتها الدينية من طرف الآخر، وحياد ال"نحن" عن اعتبار تلك الهوية مرجعًا وحيدًا في استلهام كل الحلول. مجتمعاتنا اليوم شرعت ربما في استنفاذ مرحلة سياسية واستشراف مرحلة جديدة. لا يمكن لنا أن نتجاهل التراجع الانتخابي للإسلاميين في عدد من البلدان العربية وضعف مواجهتهم لخطط خصومهم الهادفة إلى تحجيمهم، واتضاح عجزهم عن تقديم بدائل فعالة لما هو موجود، وانكشاف هشاشتهم الأخلاقية أحيانًا، بالإضافة إلى توالي وتتابع الأحداث التي أزاحت عن الحركات الإسلامية بعض البريق الذي كانت تحمله، مثل الانفصال في السودان ومسؤولية الحكم هناك، واتساع المعارضة الإيرانية، وانتهاء حماس إلى تبني النهج الذي تعيب على الآخرين السير فيه ...إلخ. هذا لا يعني أن أدوار الإسلاميين قد انتهت تمامًا أو أنهم أصبحوا عاجزين بالمطلق عن تحقيق بعض الانتصارات هنا أو هناك.

ثانيًا- ما وقع في تونس، اتخذ في تصور الكثيرين، طابع المفاجأة. إذ كان الشائع أن البلد يرفل في الاستقرار، وأنه تمكن من تحقيق انتعاش اقتصادي، وأن النظام يمسك الأمور بيد من حديد ويتوفر على حلفاء أوفياء، وأنه نجح في تحطيم وسحق كل بؤر المعارضة والمقاومة. وشاع الحديث عن الإغراء الذي يمارسه النموذج التونسي على عدد من النخب الحاكمة في العالم العربي. كان البلد إذن يبدو غير مرشح لانتفاضة مرتقبة بهذا الحجم والعنفوان، ولم تسبقها أعراض بارزة ومثيرة للانتباه في الجسم التونسي.

ثالثًا- ما وقع في تونس اتسم بتسارع الأحداث. وتساءل الكثيرون كيف لديكتاتور واثق من نفسه ومن نظام حكمه، ويعتبر أنه تهيأ لجميع المفاجآت، ولديه في الظاهر عدة أوراق، أن يسقط بهذه السهولة، وأن ينحدر إلى هذا الدرك، ويتنقل من بلد إلى آخر بحثًا عن ملجأ، ويصبح بين عشية وضحاها شخصًا غير مرغوب فيه من طرف أصدقائه وضيفًا مزعجًا وثقيلاً وصاحب سوابق يخشى أن تطاله العدالة ويصله العقاب حيث هو، وكيف تُجَمَّدُ أرصدته ويُطارَد أفراد عائلته وجزء من حاشيته المقربة والمتواطئون معه في سياسة القمع والنهب.

ربعًا- ما وقع في تونس ليس انتفاضة خاصة بالعاطلين والبؤساء والمتشردين والمعدمين، بل هي حركة استوعبت تشكيلات مختلفة من المجتمع التونسي. بدأت الانتفاضة حاملة لبعد اجتماعي، وانتقلت إلى حمل بعد سياسي. بدأها شاب معطل يبحث عن قوت يومه ويمثل جيلاً يطالب بالإدماج في سوق الشغل وفئات تطالب بالخبز والحرية، ثم اتسع مداها فيما بعد، فأصبحت تحتضن فئات تطالب بالحرية. لقد شاهدنا مثلاً متظاهرين بربطات العنق، يباشرون التقاط صور لبعضهم البعض بهواتف محمولة، وهم في قلب الانتفاضة، ويتوجهون إلى وسائل الإعلام بخطاب واع ومستنير، ويكتبون لافتات بلغات عدة وبلا أخطاء نحوية. بعد مرحلة أولى إذن، انضم إلى الانتفاضة في مرحلتها الثانية مواطنون لهم مصلحة في قيام حكامة سياسية واقتصادية،رغم أنهم لا يخشون على أنفسهم الموت جوعًا. إن وجود طبقة متوسطة تتمتع بحماية اجتماعية، وإنجاز برامج لتعميم التعليم وتحرير المرأة، سيرًا على هدى التراث البورقيبي، لم يكن كافيًا لمنح النظام شرعية شعبية. ففي لحظة من اللحظات تختار الطبقة المتوسطة نفسها أن تتضامن مع المهمشين والفقراء وأن تتحالف معهم لحماية الحق في الشغل للجميع ولتعميم الإدماج والحماية الاجتماعية، ولصيانة الملك العمومي والحد من الفساد المعشش في دواليب الدولة، ولتأمين الحق في التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية.

خامسا- ما وقع في تونس هو إيذان ربما بتراجع قوة تأثير الثورة الخومينية كنموذج وكتقليد يسعى الناس لاستنساخه. فهذه الثورة لم تمثل بالنسبة إلى التونسيين مرجعًا، ولم تعد قادرة على أن تستوطن –بنفس القدر من النفوذ والجاذبية- أفئدة وقلوب الجماهير، باعتبارها الشكل الأمثل للثورة في بلد عربي إسلامي. المتظاهرون التونسيون كانوا ربما منفتحين على التراث العالمي للانتقالات المعاصرة، ومتأثرين بالمتغيرات الدولية وخاصة تزايد نفوذ وسائل الإعلام والاتصال والمنظمات الحقوقية وتعاظم الدور التركي في منطقتنا العربية الذي يتم على حساب الدور الإيراني مثلاً..

سادسًا- ما وقع في تونس يبين إمكانية نجاح انتفاضة سلمية من أجل الديمقراطية حتى بدون أن تتوفر في البلد قيادة جاهزة لتأطير الانتفاضة والمساهمة في قيادة الانتقال ومواكبة مسلسله. غياب تلك القيادة يمثل نقطة ضعف، ولكن مهمة إعدادها من قلب المعركة نفسها، تظل ممكنة إذا استطاعت كل القوى الراغبة في الديمقراطية والأدوات التي ساهمت في الانتفاضة بناء جبهة موحدة.

سابعًا- ما وقع في تونس، يبين أن النزعة الانتحارية القائمة في قاع مجتمعاتنا، يمكن أن تتحول من تقليد العمليات التفجيرية الانتحارية إلى تقليد عمليات الإحراق الفردية للذات كشكل للاحتجاج الاجتماعي. إن أمضى سلاح لمقاومة الانتحار هو رفع المستوى المعيشي والتعليمي للساكنة وانفتاح اللعبة السياسية بالشكل الذي يمكن الشباب والفئات المهمشة والمستضعفة من تفجير طاقاتها والتعبير عن طموحاتها من خلال حلبة الصراع السياسي السلمي. إن من شأن ذلك أن يعيد زرع الأمل وحب الحياة.

ثامنًا- ما وقع في تونس يؤكد أن ساحة الفعل السياسي العربي تعرف اليوم لاعبين جدد لا يمكن الاستهانة بدورهم، وهم :

1)     الحزب الالكتروني، فالشبكة العنكبوتية والهواتف النقالة استُخدمت في التعبئة والتأطير والاتصال والتنسيق. ولهذا عمدت السلطات المصرية مثلاً إلى محاولة التشويش على الاتصالات الجارية عبر الوسيلتين المذكورتين بعد حصول تطور في حجم حركة التظاهر بأرض الكنانة. 

2)     المجتمع المدني الذي لعب أدوارًا سياسية أساسية لتعويض النقص الحاصل في العمل الحزبي. إن المجتمع المدني في الداخل والخارج يتحول اليوم إلى خصم عنيد للأنظمة غير الديمقراطية، لأنه يساهم في إشاعة قيم التنظيم والمشاركة والحرية والتعاون، ويمثل جهازًا رقابيا فعالاً وأداة للكشف عن الفساد والاختلالات وفضح الانتهاكات. 

3)     قناة الجزيرة، وهي لم تصنع الانتفاضة التونسية، ولكنها ساهمت بشكل نوعي في تأجيجها ومدها بوقود الاستمرار وبقدر من العزيمة والثقة في النفس والاندفاع، دون أن يفوتها طبعًا الحرص على محاولة تضخيم الدور الإسلامي "المفترض" في الانتفاضة أو الدور الإسلامي "المأمول" في مرحلة ما بعد الانتفاضة.

تاسعًا- ما وقع في تونس يثبت أن الترسانة التي وضعتها الإنسانية لحماية حقوق الإنسان من خلال المواثيق والمعاهدات والمنظمات المدنية والمحكمة الجنائية الدولية أصبحت تطارد الطغاة ومساعديهم وتقض مضاجعهم، وتفرض عليهم التفكير في مآلهم إذا ما باشروا اقتراف انتهاكات لحقوق الإنسان. لم يعد من السهل اليوم على ضابط مثلاً في أية بقعة من العالم وُجد، أن يرتكب مجزرة في حق تظاهرة سلمية، لأنه أصبح يدرك أن أمرًا كَهذا قلما يمر بدون تبعات.

عاشرًا- ما وقع في تونس يُبين إلى أي حد يمكن للحكام المستبدين أن يفقدوا، في لحظة الحساب، حلفاءهم الخارجيين الذين لم يبخلوا عليهم بالدعم والمساندة في الماضي، والذين تغاضوا سابقًا عن تجاوزاتهم، لأن في بلدان أولئك الحلفاء هناك ناخبون يحاسبون حكامهم ويحذرونهم من مغبة استقبال حاكم أسقطه شعبه.

 

جريدة "الحياة الجديدة"

28 يناير 3 فبراير 2011 العدد 125

الصفحة 07

Publicité
Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article