Agis et ne laisse personne décider à ta place, tu es maître de ta vie et de tes choix
نداء التغيير النابع من الأعماق
يتردد في العالم كله اليوم، صدى نداء الحرية والكرامة الصادر من أعماق المجتمعات العربية. إنها لحظة نوعية تاريخية تكتب فيها شعوبنا فصلا جديدا من كفاحها ضد الظلم والاضطهاد والاستغلال. الحركية التي تشهدها هذه الشعوب الآن تحمل قواسم مشتركة بارزة، ولكنها أيضا تحمل بعض الاختلافات من بلد لآخر.
القواسم المشتركة تتحدد أولا من خلال طبيعة المطالب المرفوعة. فهذه المطالب تدور عموما حول الرغبة في انبثاق ثلاثة برامج :
-هناك مطالبة بتحقيق برنامج للبناء الديمقراطي الحقيقي وإنهاء عهد الديمقراطيات الصورية والمزيفة. فالإطار الدستوري والقانوني لممارسة الحكم، يتعين تجاوزه، ووضع إطار جديد يسمح للشعب بتقرير مصيره ورسم مستقبله وممارسة سيادته، ويلغي الحواجز والأغلال التي تصادر الحقوق وتصفد الحريات وتكبت الأصوات.
-هناك مطالبة بتحقيق برنامج للحد من الفساد، والسماح للشعب باسترجاع ثرواته المنهوبة ومقدراته المختلسة والمفوتة إلى نخب متنفذة سمحت لنفسها باستعمال كل الوسائل غير المشروعة للإثراء. ويكفي هنا أن نتأمل مثلا مغزى الشعار الذي كُتب في لافتات المتظاهرين المصريين والذي يشير إلى أن ثروة عائلة مبارك تكفي لإطفاء الديون الواقعة على ذمة الدولة المصرية إزاء الخارج.
-وهناك أخيرا مطالبة بتحقيق برنامج لإصلاح الأوضاع الاجتماعية المتردية وضمان العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة ومحاربة البطالة والفقر والإقصاء.
كما أن من بين القواسم المشتركة في حركية الشعوب العربية اليوم، الدور الذي يلعبه الشباب كنواة صلبة للاحتجاج، وانخراط فئات اجتماعية وحساسيات مختلفة، واعتماد وسائل عمل جديدة، وغياب قائد وطني واحد ملهم للحركة،ولجوء الأنظمة إلى القمع لمحاولة إخماد الحركية، واضطرارهم إلى تقديم "تنازلات نوعية".
التنازلات التي تقدم بها الحاكمون، وإن لم تبلغ سقف مطالب الشارع، فإنها مع ذلك، لم تكن متصورة ولا متوقعة قبل أسابيع فقط من نشوب "الانتفاضة العربية".
يمكن أن يكون الحكام قد قصدوا إلى ربح الوقت والسعي فقط لتهدئة الأوضاع وتخفيف الاحتقان وضمان رجوع المتظاهرين إلى بيوتهم، من أجل العودة فيما بعد إلى نفس الأساليب القديمة مع بعض الرتوش الخفيفة.
لكن هذا الذي يحصل الآن هو حدث ضخم، غير مسبوق، على درجة كبيرة من العمق والجوهرية، ولايمكن أبدا أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه.
في تونس. وخلال "خطبة الوداع"، اضطر الرئيس السابق، إلى الاعتراف المتأخر بحق التظاهر وبمشروعية مطالب المتظاهرين، والتزم بعدم قمعهم، وأعلن عن برنامج للإصلاحات يقضي بإطلاق الحريات وتحرير الطاقات ورفع القيود، وتدشين حوار وطني يقود إلى اشتراك المعارضين في تحمل المسؤوليات ويضع بنيات قانونية ودستورية جديدة. والتزم زين العابدين بن علي بعدم تجديد ترشيح نفسه لولاية جديدة، ووعد بإجراء تغييرات عميقة تتجاوب مع مطالب الشعب التي غدا الآن قادرا على إدراكها وفهمها على حقيقتها.
وفي مصر، وبعد القمع الدموي لانتفاضة الشعب، أقدم حسني مبارك على إقالة الحكومة وتعيين نائب للرئيس للتفاوض مع المحتجين الذين اتسعت حركتهم. وتم الإعلان عن رفع الأجور وفتح ملفات الفساد وملفات انتهاك حقوق الإنسان وتشكيل لجنة مكلفة بإعداد التعديلات الدستورية، وإعداد الانتخابات المقبلة في جو توافقي، وعدم ترشيح مبارك أو نجله جمال في انتخابات الرئاسة التي كانت مقررة في الصيف المقبل.
وفي اليمن، أعلن الرئيس علي عبدالله صالح عن قراره بعدم الترشيح لولاية جديدة بعد انتهاء ولايته الحالية في 2013، وعدم توريث الحكم،وعن اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاجتماعية لفائدة الأجراء والطلبة والفئات المحتاجة، وعن تدشين حوار مع المعارضة لتأمين التحضير المشترك للانتخابات المقبلة. ودعا الرئيس اليمني المعارضة إلى المشاركة في السلطة وأكد على تأجيل الانتخابات العامة المقررة بعد عدة أسابيع، حتى تستكمل المشاورات ويتم التوصل إلى توافق حول آليات إجرائها.
لم يعد الحكام العرب يعتبرون "التنازل تحت الضغط" واستعمال لفظة التنازل في خطاباتهم ماسا بهيبتهم ومكانتهم، فالرئيس اليمني يعلن صراحة ما يلي: "أقدم هذه التنازلات من أجل مصلحة البلاد، فمصلحة اليمن تأتي قبل المصالح الشخصية، ولن أكابر، وسأقدم التنازلات تلو التنازلات من أجل المصلحة الوطنية".
وفي الأردن، استجاب الملك عبدالله الثاني لمطلب إقالة حكومة سمير الرفاعي، وشكل حكومة جديدة لم ترض عددا من المحتجين، وقرر الدعوة إلى اتخاذ خطوات جديدة على طريق الإصلاح السياسي الحقيقي ومعالجة أخطاء الماضي. وأعلن العاهل الأردني عن حوار وطني مع مختلف الحساسيات الموجودة في البلاد بغاية الاتفاق على الأسس الضامنة لتحقيق الأهداف الثلاثة التالية :
-توسيع مجال المشاركة في اتخاذ القرار بالبلاد.
-إعادة صياغة القوانين المنظمة للانتخابات والحريات والعمل الحزبي.
-مكافحة الفساد.
وفي الجزائر وموريطانيا اتخذت بعض الإجراءات الاجتماعية الهادفة إلى رفع القدرة الشرائية للمواطنين ومحاربة ارتفاع الأسعار.
هذه "التنازلات" يمكن أن نعتبرها من طينة الواجبات الموضوعة على عاتق الحكام دائما، وهي تنازلات جاءت متأخرة أحيانا، أو استقبلها المحتجون باستخفاف، أو شككوا في نوايا من أصدروها، أو اعتبروها دون الحد المطلوب. ومع ذلك فإن قراءة هذه "التنازلات" في سياق المقارنة بين الوضع السابق على الانتفاضة والوضع الحالي، تقودنا إلى تقدير أهميتها. ولكن الأهم من كل ذلك، أن العالم العربي اليوم، يشهد عميلة تحطم جدارين: جدار الخوف، وجدار الصمت.
إن تحطم جدار الخوف يظهر في أبرز صوره من خلال هذه القدرة الخارقة والحديدية على التحدي، ورفض الخنوع والاستسلام، ومواجهة حكام الجور والتسلط، والإصرار على مواصلة المعركة، ومن خلال عجز أساليب الماضي عن تكميم الأفواه وإجهاض الاحتجاج الشعبي.
وإن تحطم جدار الصمت يظهر في أجلى معالمه من خلال طبيعة النقاش الذي يواكب اليوم هذه الصحوة الديمقراطية. فالناس يتحدثون اليوم بصوت عال وفي كل المواضيع ويطرحون "القضايا الحساسة" ويفضحون المفاسد والمظالم ويفتحون الملفات المعلقة، ويتحدثون عن ثروات حكامهم وعما كان يدخل سابقا في خانة "أسرار الدولة".
التغلب على الخوف يعني اليوم لدى شعوبنا أن حكامهم لم يعد فيهم من هو مقدس، والتغلب على الصمت يعني اليوم لدى شعوبنا أن مواضيع النقاش لم يعد فيها ما هو مقدس.
ومع ذلك، فهناك بعض الاختلافات في حركية الشعوب العربية اليوم. فرغم الاشتراك في المطالبة بالتغيير، ومحاربة الفساد والبطالة والفقر، وتعديل الدساتير، وتأمين ضمانات نزاهة الانتخابات وحق التداول والتعبير، وإلغاء قوانين الطوارئ والنصوص الماسة بالحريات، ورغم أننا أمام مطالب تمس البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتروم إحداث تغيير في هرم الدولة، فإن هناك حالات اعتبر فيها المحتجون أن التغيير في النظام السياسي والاجتماعي يمر عبر الرحيل الفوري لرئيس الدولة الحالي (تونس-مصر)، وهناك حالات اعتبر فيها المحتجون حتى الآن، أن التغير لايفرض بالضرورة الرحيل الفوري لرئيس الدولة (الجزائر-الأردن). أي أن المطلوب هنا هو أن يفسح رئيس الدولة المجال لتطبيق برنامج التغيير ويفتح ورشة الإصلاحات الشاملة والعميقة. وربما كان أحيانا سلوك السلطة الحاكمة القمعي والدموي اتجاه انتفاضات الشعوب سببا في الانتقال من مستوى أول إلى مستوى ثان، أي من المطالبة بالتغيير في ظل وجود رأس النظام إلى المطالبة بالتغيير الذي يبدأ بإزاحة رأس النظام.
وبالنسبة للمغرب، فقد يكون في الوقت الحالي أقرب إلى وضع الحالة الأردنية. وإذا تأملنا فقط، التقييمات والتحاليل الأجنبية التي تناولت قضية العلاقة المفترضة بين ما يقع في عدد من بلدان المنطقة العربية وأوضاع المغرب، فإن تلك التحاليل تميل عموما إلى إبراز السمات الراهنة للحالة المغربية، وهي:
أولا : أن الملكية المغربية لاتواجه منازعة في شرعيتها.
ثانيا : أن النظام المغربي – ورغم هامش الحريات الموجود- هو في النهاية ملكية شبه مطلقة.
ثالثا : أن القنبلة الموقوتة في المغرب هي حجم التفاوتات الاجتماعية، واتساع فئات المهمشين والمعدمين والمحرومين من أي شكل من أشكال الحماية.
هذا معناه أننا أيضا في المغرب نحتاج إلى تغيير جذري يشمل العنصرين الثاني والثالث، وذلك بالانتقال من النظام المخزني التقليدي إلى ملكية عصرية حداثية برلمانية يسود فيها الملك ولايحكم من جهة، وبالانتقال من اقتصاد الريع والامتيازات والنهب والليبرالية المتوحشة والتابعة إلى اقتصاد تضامني يعتمد الحكامة والشفافية ويحد من الفوارق ويفتح أبواب الأمل أمام الأجيال الصاعدة ويحررها من التهميش والإقصاء والعطالة والضياع، من جهة ثانية.
وإذا لم يباشر المغرب هذا التغيير، وتوصلت الانتفاضات القائمة في البلدان العربية الأخرى إلى إرساء أسس انتقال سليم، فإن بلادنا التي رُفع فيها شعار الانتقال قبل أكثر من عقد من الزمن، سترتد إلى الخلف، وتصبح في المراتب المتأخرة في ترتيب البلدان العربية بالنسبة لمؤشرات الديمقراطية.
ما نشاهده اليوم في العالم العربي هو دعوات للتغيير نابعة من الداخل. ليس الخارج هو الذي صنع الانتفاضة الجديدة، بل إن القرائن المتوفرة تفيد أنه فوجئ بها، إن هذه الانتفاضة ستخلف آثار في مختلف البلدان العربية، وذلك انطلاقا من عوامل ثلاثة :
العامل الأول : هو قوة الهَبَّة، وعظمة الحدث، فهو من طينة أحداث التاريخ التي لاتمر بدون أن تترك بصمتها العميقة على مسار المرحلة التي تليها.
العامل الثاني : هو قوة ارتباط الشعوب العربية وعمق الأواصر التي تجمعها والشعور القائم لديها بوحدة المصير.
العامل الثالث : هو أن الانتقالات التي تمت في العالم جاءت في الغالب عبر موجات تشمل كل منها مجموعة من البلدان المتقاربة جغرافيا والمتشابهة في خصائصها التاريخية والثقافية والمرتبطة مع بعضها البعض بعدد من الوشائج والصلات.
سيكون من الحكمة أن يبادر الحكام الذين لم تشهد شوارع بلدانهم "أيام الغضب" أن يدخلوا على أنظمتهم الإصلاحات المطلوبة قبل أن يضطروا إلى إدخالها في أجواء الاحتجاج والغضب وربما القطيعة. إن كل شارع عربي لم يعرف يوما أو أياما للغضب هذه الأيام، لايفيد بأن هذا الشارع لايغلي في أحشائه الغضب.
إن الشعوب العربية التي لم تخرج بعد إلى الشوارع ولم تنتفض، تتابع ما يجري، وتحس بأن ما يقع لدى شعوب شقيقة يعبر بطريقة ما عن مشاعرها وأحاسيسها، وتتلقى نسمات تنعشها وتوقظ وعيها. و"التنازلات" الأولية التي يقدمها الحكام هنا وهناك، هي مكاسب أولية تنتزعها الشعوب، وأي شعب لم يحصل على مكاسب مماثلة على الأقل، ولم يقدم حكامه "تنازلات"، سيشعر بالغبن، وسيعتبر بأنه يستحق أن يُعامل هو أيضا بنفس الطريقة.
وكيفما كان مآل الأحداث الجارية، فلقد انفتح مسلسل تلخصه عبارة الرئيس علي عبدالله صالح "لن أكابر، سأقدم التنازلات تلو التنازلات".
فما هو حظ المغاربة اليوم يا ترى من مسلسل "التنازلات" هذا ...
جريدة "الحياة الجديدة"
11-17 فبراير 2011
العد 127 الصفحة 15