Agis et ne laisse personne décider à ta place, tu es maître de ta vie et de tes choix
مقال للاستاد محمد الساسي
فتاوى ضد المنطق (2)
لا يجوز التصدق بأموال الفوائد البنكية بل تُخصص فقط لإصلاح المراحيض!
إن الفتوى التي نشرتها (التجديد) مرتين، والقاضية بتحريم ذهاب المسلمة عند طبيب النساء إذا وُجدت بالمدينة طبيبة للنساء، وتحريم الذهاب عند طبيبة النساء نفسها إذا لم تكن مسلمة وكان بالمدينة طبيبة مسلمة أو طبيب مسلم، تقيم تمييزا سافرا في ممارسة المهنة الطبية بين الأطباء على أساس الجنس وعلى أساس الدين. والقانون المغربي يحرم التمييز. ولهذا فيمكن إذا ما اعتمدنا على التأويل الواسع للفقرة الثانية من الفصل 2-431 من القانون الجنائي، أن نعتبر تفويت فرصة الحصول على أجر العمليات الطبية بمثابة (امتناع عن تقديم منفعة) ممن تُفترض قدرته على تقديم تلك المنفعة، أي القدرة كمريض على آداء أتعاب الطبيب. إلا أننا هنا سنحيد نوعا ما عن قاعدة التفسير الضيق لنصوص التجريم. ولهذا يتعين قصر المساءلة على الشخص الذي يلتزم اعتياديا حسب وضعه بتقديم منفعة لها قدر من الشمول والعمومية، ومارس تمييزا في تقديمها. والإفتاء المجرد أو نشر الفتوى، لا يقعان في نظرنا، تحت طائلة العقوبة. ومع ذلك، وحتى بدون اللجوء إلى التوسع في التأويل، إذا ثبت أن المفتي نجح عمليا في صد مجموعة من المرضى عن الذهاب إلى طبيب في القطاع الخاص، أو عن اللجوء إلى خدمات عيادة طبية، استنادا إلى اعتبارات متعلقة بديانة أو جنس الطبيب، فقد نكون هنا بصدد عرقلة نشاط اقتصادي. فالفقرة الثالثة من الفصل 2-431 تعاقب على (عرقلة الممارسة العادية لأي نشاط اقتصادي) باستعمال التمييز. وأطباء القطاع الخاص ماداموا لا يعملون بصفة تطوعية ولا يقدمون خدماتهم للدولة مباشرة، فهم يمارسون نشاطا اقتصاديا، لا يجوز أن يعمد البعض إلى عرقلته، بحرمانهم من زبناء ومداخيل مشروعة، وبشكل مصطنع ومبني على أسس تمييزية.
ويتعين التذكير هنا، أن قانون الصحافة المغربي يعاقب على التمييز أيضا من خلال الفصل 39 مكرر. فاستعمال الصحافة للتحريض على التمييز العنصري أو على الكراهية أو العنف ضد شخص أو أشخاص اعتباراً لجنسهم أو لأصلهم أو للونهم أو لانتمائهم العرقي أو الديني، يُعد جنحة. والفصل الخامس من الدستور ينص على أن (جميع المغاربة سواء أمام القانون). فالمغاربة اليهود الذين يمارسون الطب، بجميع فروعه وأنواعه، يخضعون لنفس القواعد القانونية المطبقة على زملائهم المسلمين ولا يخضعون لأي قيد في هذا الصدد. بينما فتوى التجديد، تحيل العاملين منهم في تخصص النساء والتوليد على المعاش، وتعد ربما التربة لإقامة مجتمع، لا يعالج فيه المرضى الذكور إلا الأطباء الذكور، ولا يعالج فيه المرضى المسلمون إلا من طرف الأطباء المسلمين، وُيصار فيه إلى إنشاء جامعات وكليات للطالبات لا يدرس فيها إلا الأستاذات، وجامعات وكليات للطلبة لا يدرس فيها إلا الأساتذة الذكور، وإلى تقسيم المسيرات في الشارع إلى صفوف خاصة بالنساء وأخرى خاصة بالرجال، وكذلك بالمسارح والقاعات العمومية، بينما المرأة والرجل، يسيران جنبا إلى جنب في أعظم وأبهى تجمع للمسلمين، خلال الطواف حول الكعبة المشرفة بمناسبة موسم الحج.
إن تعليقنا على الفتوى السالفة الذكر، لا يعني بأي وجه من الوجوه، أننا ننازع في حق المرأة التي تشعر بحرج ما، أيا كانت أسبابه، في اختيار عرض نفسها على طبيبة عوض طبيب. وإنما نعتبر أن المنطق السليم يستهجن أن يُملى على المرأة، باسم الدين، العدول عن اختيار درجت عليه، واطمأنت إلى سلامته، ويُفرض عليها الذهاب عند الطبيبة عوض الطبيب، أو عند الطبيب المسلم عوض الطبيبة غير المسلمة، ويُقدم لها ذهابها عند الطبيب الذكر كما لو كان إثما ومعصية وكبيرة من الكبائر ومخالفة للدين تتسم بالشناعة، فالأستاذ أحمد كافي وصل إلى حد التصريح بأن (القول بأن ما حصل وقع بعلم الأزواج وموافقتهم ليس بمقبول من الناحية الشرعية، لأن العلم بالحرام لا يقلبه مباحا حلالاً، ولا يقلب الحرام حلالاً مباحا بالموافقة والمواطأة. وإنما يزيد في الحرمة والشناعة أن ما ارتكب ارتكب بعلم ومعرفة لا بجهل).
في العدد 1928 (4-6 يوليوز 2008) نشرت (التجديد) في ركن (قال الفقيه) فتوى للأستاذ عبد الرزاق الجاي، ردًا على سؤال بصدد جواز أو عدم جواز القص من شعر الحواجب وتصفيفها لتكون بمظهر أفضل. أكد الأستاذ المذكور في جوابه أن الله إذا حرم شيئًا فلحكمة لا يعلمها إلا هو، وأن قص شعر الحواجب هو سعى من المرأة (وراء خطوات الشيطان الذي يأمر بتغيير خلق الله. فلا تبقى على الصورة التي رسمها الله لها (..) أما إذا كان الشعر يؤثر على النظر، كأن يكون طويلاً ويؤذي العين، فهذا يجوز قصها وماعدا ذلك فلا). ودعم نفس الموقف الأستاذ محمد بن ادريس بلبصير، مؤكدا أن الحرمة هنا لا خلاف فيها استنادا إلى قول النبي (صلعم) ( لعن الله النامصة والمتنمصة)، فإن كانت هناك زيادة في الشعر تبلغ حد التشويه فلا بأس من التحديق الذي لا ينتهي إلى مبالغة، لكن إذا كانت السائلة تريد زيادة التحسين فلا يجوز (التجديد 22 أكتوبر 2008 ع 2001). كما ذهب الأستاذ عبد الرحمن البوكيلي إلى أن (المرأة المسلمة في تجملها لزوجها لا يحل لها الخروج عن حدود الله وارتكاب ما نهى عنه من الوشم والوصل والتنمص، وغير ذلك مما فيه تغيير خلق الله عز وجل. والتنمص هو الأخذ من شعر الحواجب، وقد صح النهي عنه (...) كما يحرم على زوجها وغيره من الخلق الأمر بما حرمه الله، وإذا حصل ذلك فلا ينبغي للمرأة المسلمة طاعتهم في ذلك) التجديد 6 أكتوبر 2009 ع 2228.
إن التعلل بكون الله سبحانه وتعالى إذا حرَّم الشيء فلعلة لا يعلمها إلا هو، يتناقض مع الدعوة في القرآن الكريم إلى التدبر والتعقل، ومع ما احتواه من آيات تعكس الجدل الجميل الذي خاضته الدعوة المحمدية عند انطلاقها مع خصومها لإقناعهم بضرورة تأمل الآيات والعلامات الكامنة في الكون، والإصغاء لما تقدمه الرسالة من البراهين والحجج. إن هذا القول إذا كان يفيد في علاقة المفتي مع فرد رضي بالإسلام دينًا وانخرط فيه منذ نعومة أظفاره، وتلقاه منذ الطفولة، وقر رأيه على عدم تغيير ديانته أبدًا، مهما كانت الظروف، فإن المنطق السليم يقتضي أن نفترض في كل فتوى أنها تتوجه إلى فرد يريد البحث عن مستند عقلي للتمييز بين الحلال والحرام في قواعد السلوك.
لماذا يا ترى لم يختر الأساتذة الثلاثة الخروج عن تقاليد فقهية عتيقة والقول بإجازة قص الحواجب، استنادا إلى أن الله جميل يحب الجمال، وأن نبينا محمدا كان يتجمل ويتطيب ويستعمل السواك والكحل، وفيهما طبعا تأثير على وضع الملامح الأصلية للوجه، في اتجاه التحسين والتجميل، واعتمادًا على أن ما سار عليه النبي فعليًا قد يسمح لنا بتفسير التنمص، بطريقة جديدة. أي أن المقصود به يصبح هو التغيير الذي يمس هيأة الوجه بشكل يجعله يبدو مختلفا عن هيأة إنسان. فكيف يسمح لنا ديننا بترقيق اللحية وتدقيقها، ولا يسمح بترقيق الحواجب. يجب أن نعتبر القاعدة في ديانتنا هي أن مبدأ تجميل الوجه والجسد مقبول إجمالا، فهو يعزز استطابة الناظر إليهما، ويقوي ثقة صاحبهما بنفسه وييسر تواصله مع الآخرين.
إن فتوى تحريم قص شعر الحواجب تندرج في منطق النزعة المغالية في التحريم بسند أو بغير سند وبدون استعداد لمواكبة تطور المجتمع والعلاقات والعادات النافعة وغير الضارة، وهي فتوى تجعل للإسلام صورة مرادفة للتجهم والجمود والكآبة، وتتجاهل الأثر الباهر للصناعة التجميلية الحديثة في حماية الأعضاء والحفاظ على رونقها وحسن إبرازه وتزيين مظهرها.
وإذا كانت فتاوى التجديد تعتبر قص شعر الحواجب حراما، فإن الصور المنشورة لعدد من قياديات حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، تظهرهن وقد قصصن شعر حواجبهم بطريقة رفيعة ومسايرة لما هو جار في عالم اليوم.
ربما تكون فتاوى تحريم قص الحواجب مجرد اجتهاد، وتكون القياديات المذكورات قد استندن إلى فتوى أخرى تقدم اجتهادًا مغايرًا. وفي هذه الحالة لماذا امتنعت الجريدة عن نشر هذا الاجتهاد الثاني؟
إذن هناك ربما فتوى تحريم جرى الاحتفاء بها ونشرها مرات، وفتوى إجازة وتحليل لم يتم الاحتفاء بها أو إبرازها ووقع الاحتفاظ بها وحجبها. أو أن فتوى التحريم ليست موجهة إلى كل النساء، بل موجهة إلى بعض النساء فقط، وأن عددا من القياديات الإسلاميات لا يعتبرن أنفسهن معنيات بها، ويعفين أنفسهن من التصرف على هديها وإتباع منهجها. فنكون أمام فتوى ظاهرة موجهة ل "الأخريات"، وفتوى خفية تنظم بعض القياديات سلوكهن على ضوئها. وبسبب مثل هذه الأوضاع، فإن كثيرًا من الناس يعيبون على الحركة الإسلامية عمومًا نزوعها نحو تبني بعض أوجه الازدواجية.
في العدد 2290 (4 يناير 2010) نشرت (التجديد) في ركن (قال الفقيه) فتوى للأستاذ عبد الرزاق الجاي، أجاب فيها عن السؤال التالي : (أود الاستفسار عن الفائدة عن المال الموضوع في البنك: هل يجوز لنا أن نتصدق به على الفقراء وكذلك الأقارب، مع العلم أن هؤلاء الأقارب هم فقراء، ليس لهم مدخول يعيشون منه؟).
جاء في جواب ذ الجاي ما يلي : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه الأموال الربوية التي يجنيها الإنسان من مدخراته البنكية لا يجوز أن يتصدق بها لا على الفقراء ولا على الأقارب، لكن يدفعها إلى بعض المؤسسات الخيرية ليصلحوا بها ما يخص الحمامات ومجاري المياه والله أجل وأحكم).
عندما يتأمل المرء هذه "الفتوى" لأول وهلة، يخال نفسه أمام كلام من قبيل الهزل وليس من قبيل الجد، مادامت هناك نكتة متداولة في الأوساط الشعبية تحمل نفس المضمون.
كيف لعاقل أن يساير منطق هذا "الاجتهاد" العبقري الفذ الذي يجعل ما يترتب عن أموالنا المودعة في الأبناك من الفوائد غير صالح للتصدق به، باستثناء الصدقة التي تُخصص منه لإصلاح الحمامات (أي بالعربي الفصيح المراحيض) ومجاري المياه (أي الواد الحار!).
كيف يمكن أن نبلور هذا الشرط من الناحية العملية، فنطلب ألا تختلط الأموال المتصدق بها (نظراً لأنها قذرة ونجسة) بباقي الأموال الطاهرة والطيبة، فتُخصص الأولى فقط للأمكنة القذرة والنجسة. هل هناك في منطق وضع البناء وهندسته أماكن طاهرة وأماكن نجسة؟ وهل يمكن تبويب النفقات وفق هذا التمييز، وجعل كل نفقة مستقلة تماماً عن الأخرى.
وكيف نعالج وضع الحمامات التي يجري فيها إعمال قدر كبير من التزيين والزخرفة، وتُستعمل فيه مواد غالية الثمن وعدة نفيسة وتجهيزات متطورة؟ وكيف نتعامل مع المعطى الذي يجعل البناء الواحد متصل الأجزاء، بسواري وأعمدة حديدية أو اسمنتية أو حجرية؟ وهل يصح حسب قواعد المحاسبة أن تخصص كل مؤسسة خيرية بندا في المداخيل خاصا بالفوائد البنكية التي تُرصد لإصلاح المراحيض، ويُفرز عن بقية البنود؟ وماذا يكون الحكم لو اختلطت الأموال المتأتية من مصادر مختلفة، على المؤسسة ولم تستطع أن تميز المداخيل الخاصة بالمراحيض ومجاري المياه عن غيرها !
|
الجريدة الأولى العدد 580 8 أبريل 2010 ص 11
|