Agis et ne laisse personne décider à ta place, tu es maître de ta vie et de tes choix
الآثار الجانبية للديمقراطية
قررت السلطات العمومية في المغرب، إغلاق مقر قناة "الجزيرة" القطرية وسحب الاعتمادات الممنوحة لطاقمها الصحفي. وقد بُني هذا القرار على أساسين :
الأول هو إقدام "الجزيرة" على معاكسة المصالح المغربية وترويج معلومات وأفكار وبرامج ومعالجات صحفية تضر بالمغرب.
الثاني هو إصرار القناة المذكورة على تقديم صورة سيئة عن المغرب. وقد بلغت حماسة البعض درجة اعتبار تبني الموقف الرسمي من "الجزيرة"، كفرض عين على كل مغربي، وكواجب وطني، وكرد يتعين أن يحظى بالإجماع. وهناك من ذهب إلى حد المطالبة بالمحاسبة على الخطأ الأصلي في نظره، والمتمثل في السماح لهذه القناة المعادية بإيجاد مقر لها على أرض وطننا وبالتوفر على التسهيلات القانونية التي كانت تتوفر عليها.
وتدور قضية المساس بمصالح المغرب أساسًا حول فكرة محورية، مؤداها أن قناة "الجزيرة" منحازة في قضية الصحراء إلى الأطروحة الجزائرية، وتقدم لهذه الأطروحة كل وسائل الدعم، وأن القناة بذلك تخدم الانفصال، وتتواطأ مع أعداء وحدتنا الترابية، وتنطلق في كل ذلك من "معاقبة" المغرب على انتمائه لمحور الدول العربية المعتدلة، وهو المحور المتهم حتى إشعار آخر بالتفريط في الواجبات الدينية والقومية الملقاة على عاتق حكام الأمة. وبالتالي يُصار إلى المبالغة في عرض سلبيات الأحوال القائمة في المغرب، وتُنسب إليه ظلما الكثير من المظاهر السيئة التي يخدم إبرازها معسكر الممانعة والمقاومة، أي يخدم المحور الذي تحاول دولة قطر الإيحاء بالانتماء إليه ودعمه.
طبعًا، هناك جزء من الحقيقة في هذا التحليل، ولكن قناة "الجزيرة" إذا كانت تحاول أن تخدم توجها معينا على حساب بعض قواعد المهنية، فإن ذلك لا يكون على حساب كل قواعد المهنية. فالقناة مثل الكثير من القنوات العالمية، تحاول الأخذ ببعض القواعد التي تتطلبها المهنة الصحفية، لكن بالقدر الذي لا يعيق التوجه الذي تريد تسويقه.
وهناك من يضيف إلى ذلك، إصراره على التلميح إلى ضلوع "الجزيرة" في مؤامرة ضد المغرب، باعتباره بلدًا يرفل سكانه في نعيم يُحسدون عليه. ولذلك فإن مصالح الأنظمة التي تحرم مواطنيها من مثل هذا النعيم، تدفعها إلى معاداة المغرب وتشويه سمعته ومحاولة تلطيخ صفحته والتعتيم على كل مظاهر تطوره ونمائه.
وقبل أن نتساءل عما إذا كان إغلاق مكتب القناة وسحب اعتماد صحفييها هو القرار المناسب لمواجهة مثل هذه الحالة، يجب علينا أن ننبه إلى عناصر الظرفية التي اتخذ فيها القرار، وهي ظرفية اتسمت بالمزيد من التراجع على مستوى ممارسة الحريات الصحفية في المغرب، حيث توالت على مهنيي الإعلام ببلادنا سلسلة متلاحقة من عمليات التضييق والخنق. لقد تم القضاء على عدد من المنابر المغربية، وأُغلقت مقرات جرائد مغربية قبل إغلاق مقر "الجزيرة" بالمغرب. وقبل الإقدام على الإجراءات التي تهم هذه القناة، بأسابيع فقط، شاهدنا مظاهر تبرم رسمي واضح من عمل وسائل الإعلام الإسبانية التي اتُهمت بشن حملة معادية للمغرب ومناهضة لمصالحه، وتمت الإشارة إلى استهداف بلادنا من خلال مشروع عدائي اسباني جاهز.
كيف نفهم أن يكون المغرب مستهدفا من كل هذا الحشد من الصحفيين الذين تختلف جنسياتهم وأعراقهم.
حذار، فقد يكون الخطأ أحيانًا صادرًا منا في الأصل وليس من الغير. فأحيانا قد تتخذ المعالجة الإسبانية لقضية الصحراء المغربية هذا المنحى أو ذاك، نتيجة نجاح المعسكر الانفصالي في تسويق مواقفه، وليس نتيجة تحامل مسبق يمليه استمرار النوازع الاستعمارية في عقلية جيراننا الشماليين.
لقد قيل في حق الصحافة الإسبانية ما لم يقله مالك في الخمر، بينما الكثير من أقطاب هذه الصحافة، يعتقد عن خطأ مثلاً أن "أمينتو حيدر" تمثل رمزاً لشعب يريد نيل استقلاله والتحرر من ربقة حكم رجعي عتيق.
أما قضية المس بالمصالح الوطنية، فإنها تطرح التساؤل عما إذا كان كل من يشتغل بالصحافة فوق تراب بلد ما، يخدم مصالح ذلك البلد، أو ينجح دائما في عدم المساس بها في نشاطه الإعلامي. وليست القنوات الأجنبية العاملة في بلد ما مجبرة على مشاطرة حكامه منظورهم الخاص لمصالحهم الوطنية. فعندما يقول الإنسان عن نفسه أنه ديمقراطي، فإن عليه أن يتقبل بعض "الآثار الجانبية غير المرغوب فيها" للديمقراطية، كجزء من رسم الانتماء إلى نادي الديمقراطيين. وعليه أن ينطلق ربما، من أن الدولة الديمقراطية حقًا، أقوى من تتأثر مصالحها بمحاولة أجهزة إعلامية المس بتلك المصالح، وأن ممارسة حرية الإعلام فوق أرض بلد ما من طرف قنوات أو صحف أجنبية أو وطنية، وحتى إن حادت عن بعض قواعد المهنية، فليس من شأنها أن تعرض مصالح البلد العليا للخطر، في دولة ديمقراطية، لأن الحفاظ على الحرية هو في حد ذاته مصلحة عليا. هذا طبعا ما لم تصل ممارسة الإعلاميين إلى اقتراف أعمال ضارة لا علاقة لها بنشاطهم الإعلامي أو إتيان مخالفات مصنفة كجرائم حسب المتعارف عليه في المجتمعات الديمقراطية.
الديمقراطية إذن هي الاقتناع بأن حرية الصحافة كمبدأ عام لا تمس المصالح الوطنية وأن مصادرة الحرية هي التي تضر المصالح الوطنية. عندما يكون هذا هو المبدأ المُوَجِّهُ، فإن صاحبه يتفادى ردود الفعل المتشنجة التي تحيد عن التسامح الواجب على كل كائن ديمقراطي.
وإن إعادة الاعتبار للمصالح الوطنية التي تم تقدير تعرضها للمس بواسطة ممارسة إعلامية ما، لن تكون بواسطة قرارات إغلاق مكاتب الأجهزة الإعلامية وتقييد حقوقها القانونية، ففي مجتمع الصورة اليوم، لم تعد وسائل الإعلام في حاجة إلى مكاتب أو اعتمادات من أجل أن تخدم كامل خططها الإعلامية وخطوطها التحريرية، وتصل إلى ما تريد الوصول إليه.
جريدة "الحياة الجديدة" ع 114
5/11 نونبر 2010 – ص 9